وعبر تحليلات مسهبة بين لاكاتوش قصور التعامل مع النظرية بصورة منفردة؛ لأن الوحدة الوصفية
Descriptive Unit
للإنجازات العظمى في العلم ليست النظرية على انفراد، بل هي برنامج متكامل للبحث، مما يعني أن لاكاتوش يعمل بأطروحة دوهيم -كوين، على الرغم من أنه بوبري وليس أداتيا، ويؤكد أن التقدم العلمي لا يتأتى من نظرية معينة أو حتى مجموعة نظريات، بل بالانتقال من برنامج بحث علمي أصبح متدهورا إلى برنامج بحث آخر يبدو تقدميا. ثم طرح لاكاتوش نظريته الجميلة حقا في برامج الأبحاث العلمية، أو نظريتها المنهجية.
في برنامج البحث العلمي ليست كل النظريات أو العبارات العلمية سواء، هنالك أولا النواة الصلبة
hard core
للبرنامج، لا تخضع في حد ذاتها للتكذيب ولا تقبل التفنيد، فهي فرضيات عامة جدا هي اللب أو الصلب الذي على أساسه ينمو برنامج البحث ويتطور. النواة الصلبة في الفيزياء الكلاسيكية مثلا هي فرض الجاذبية العام وقوانين نيوتن الثلاثة، كثيرون - منهم أخلص أتباع لاكاتوش وهو الآن موسجريف - رفضوا أن تكون النواة الصلبة غير قابلة للتفنيد بأي إجراء أو قرار منهجي داخل برنامج البحث ذاته، على أساس أن هذا غير مفيد من الناحية الميثودولوجية، فضلا عن أن تاريخ العلم لا يصدق عليه كثيرا.
37
ومع هذا أصبح «مصطلح نواة صلبة» واردا ودارجا في أدبيات فلسفة العلم المعاصرة، سواء اتفقت مع تفاصيل فلسفة لاكاتوش أم لا، فقد أظهر هذا المصطلح فعالية جمة في التناول الفلسفي للنظرية العلمية، إنه تعيين لها حين تصاغ بدقة كموضوع مثالي تتضح سماته الأساسية التي تحدد برنامج البحث العلمي.
38
وكان بوبر قد ناقش مشكلة التحصين ضد التكذيب، فمن الممكن دائما التملص من التكذيب بأن نضيف للنظرية فروضا جديدة تتلافى مواطن الكذب. وفي مواجهة هذا رأى بوبر أن نميز بين الفروض العينية المغرضة
Ad hoc Hypothesis ، وبين الفروض المساعدة
Auxiliary Hyp . الفرض العيني هو الذي يوضع بغرض تفسير ظاهرة معينة أو حدث بعينه وليس له ما يؤيده غير هذه الظاهرة أو ذاك الحدث الذي يكذب النظرية. إنه يحمي النظرية من التكذيب دون أن يضيف إلى مضمونها المعرفي وقواها التفسيرية فيؤدي إلى إضعافها. وفي مقابلة الفرض المساعد الذي يمكن اختباره في حد ذاته وتؤيده أمور أخرى غير التي وضع لتفسيرها فيزيد من مضمون النظرية وقوتها؛ لذا نرحب بالفروض المساعدة، بينما ينبغي رفض الفروض المغرضة حرصا على دفع الطاقة التقدمية للبحث العلمي.
ومثلما التقط توماس كون من الكنز البوبري أيقونة الثورة، التقط لاكاتوش منه أيقونة الفروض المساعدة التي تحصن ضد التكذيب، بعد تطويرها عن الصورة البوبرية لتصبح مرتبطة بالنسق ككل أو بالأحرى برنامج البحث ككل تبعا لقاعدة دوهيم-كوين. فذهب لاكاتوش إلى أن العبقرية العلمية تلحق بالنواة الصلبة فروضا مساعدة هي بمثابة الحزام الواقي لها
protective belt . الحزام الواقي هو الذي يصطلي بنار الاختبارات التجريبية التكذيبية، ويتحمل التفنيدات والتعديلات والتصويبات، بل حتى قد يستبدل به حزام واق آخر؛ ليحمي ويصون النواة الصلبة لبرنامج البحث الذي يزداد قوة وصلابة بفضل كل هذا. أما النواة ذاتها أو اللب الصلب فلا تتعدل ولا يعين فيها خطأ، فقط تهجر حين يستنفذ دورها، أو حين تنسحق تحت شروط معينة هي منطقية وتجريبية - كما رأى بوبر، وليست جمالية كما كان الحال مع بيير دوهيم.
39
وهنا ينتهي برنامج البحث العلمي بأسره، ويتم الانتقال إلى سواه. في هذا الإطار العام يتم الانتقال من نظرية علمية مفندة إلى أخرى؛ لذلك يقال: إن لاكاتوش أحرز تقدما ذا اعتبار بشأن طبيعة التكذيب في العلم وأعطى توصيفا أكثر تحديدا للنشاط العلمي، يفسر بقاء النظرية التي لا تتمتع بتوافق تام مع الملاحظة فثمة النواة الصلبة التي ترتكز عليها والحزام الواقي الذي يصونها.