34
عن طريق مقولات العقل أو تصوراته القبلية. وبالمثل تماما سوف يجاهر لاكاتوش بأن المؤرخ لا يعرف من تاريخ العلم إلا ما يفرضه عليه، بمعنى إعادة بناء تاريخ العلم وإضفاء الصورة العقلية والصنعية عليه عن طريق فلسفة العلم أو نظرياتها الميثودولوجية.
رحل لاكاتوش فجأة إثر حادث سيارة مروع بعد أن استقر في إنجلترا في مدرسة الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة لندن، التي كان بوبر أستاذ المنطق ومناهج البحث بها، وكان لاكاتوش من أنجب تلاميذه وأخلصهم، وجيد الاستيعاب للدرس البوبري.
أخذ عن بوبر أن فلسفة العلم هي نظرية المنهج أو «الميثودولوجيا»، لكن بعد أن اكتسبت الميثودولوجيا مع لاكاتوش فعالية وحركية تاريخية، أما النظريات العلمية ذاتها فهي عند لاكاتوش برامج أبحاث تذكرنا بالنماذج الإرشادية عند توماس كون وأيضا الاستراتيجيات العقلية عند ستيفن تولمن. لذلك فإن فلسفة العلم هي «ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية»، وهذا هو عنوان كتابه الرئيسي.
أخذ عن بوبر أيضا أن التكذيب هو الخاصية المميزة للعلم، من حيث إنه القوة المفسرة للتقدم العلمي المتوالي، مبقيا ومصدقا على جبهة افتراق الفلسفة التكذيبية عن الوضعية المنطقية التحققية الاستقرائية. وهذا الافتراق يتمثل فيما أسماه المنطقي المتميز ويلارد كوين بالمنحى النافي أو الطبيعة النافية للتكذيب، على أساس أن البينة التجريبية قد تفند الفرض، ولكن ملايين البينات التجريبية لا تثبته، أو تثبته فقط بمعنى سلبي ناف هو غياب التفنيد.
35
ولكن توقف لاكاتوش أمام نقطة مقلقة أثارت كثيرا من الجدل، فإذا افترضنا أن كل البجع أبيض، فإن بجعة واحدة سوداء سوف تكذب الفرض. هذا صحيح منطقيا، ولكن هل ينمو العلم بهذه الطريقة البسيطة؟! واقعة نافية أو بينة تجريبية معارضة تكذب نظرية على حدة بصورة مستقلة؛ ليتم رفضها هي فقط في حد ذاتها، ويستبدل بها أخرى تعرض بدورها على محكمة التكذيب؟! هذا ما يؤكده بوبر. بينما يرى بيير دوهيم ومن بعده كوين أن المعقبات أو النواتج
Consequences
التي تلزم الفرض العلمي الجديد ، والتي تكون محكا للاختبارات التجريبية والتكذيبية، لا تخص الفرض الجديد وحده، بل تخص النسق المعرفي بأسره الذي انتمى إليه الفرض، وهذا ما يعرف «بأطروحة دوهيم-كوين
Duhem-Quine Thesis »، وهي من المقولات الهامة في فلسفة العلم، وتنص على أن التجارب الفيزيائية هي ملاحظة للظواهر مصحوبة بتأويل لها في ضوء النسق المعمول به؛ لذلك فإن الفيزيائي لا يخضع فرضا منفردا لمحكمة التجريب، بل مجموعة فروض معا، وبالتالي لا يمكن أن يعد الدليل التجريبي في حد ذاته تكذيبا حاسما للفرض.
36
وليس هناك «تجربة حاسمة» بصورة قاطعة. والواقع أن أطروحة أو مقولة دوهيم-كوين تبلور الفارق بين فلسفات العلم الإخبارية، الاستقرائية والتكذيبية على السواء، وبين فلسفات العلم الأداتية. في الجانب الأول عولجت مشكلة العلاقة بين الفكر والواقع من حيث هي مشكلة العلاقة بين الفرض والملاحظة. أما مع الأداتية فقد اتخذت هذه المشكلة شكلا جديدا، وأصبحت مشكلة العلاقة بين النسق العلمي ككل وبين العالم التجريبي ككل الذي نفترض أن النسق ينطبق عليه ويحاول إقامة روابط بين ظواهره. وتبعا للأداتية ليس هناك فارق بين الفرض أو القانون أو أية عبارة علمية في حد ذاتها؛ لذلك تكون معالجتها في إطار معالجة النسق ككل، كما تنص مقولة دوهيم-كوين، يرفض بوبر الاتجاه الأداتي، ويرفض هذه المقولة تماما على أساس أن اختبار الفرض على حدة وبصورة منفصلة مسألة جوهرية لتقدم العلم وقياس ما يضاف إليه حقيقة. والتجربة الحاسمة واقع ماثل في هذا الصدد.
وأمام هذا الإصرار من بوبر أثير كثير من الجدل حول التعامل مع الفرض أو العبارة العلمية بصورة منفردة. بدا هذا وكأنه تبسيط للأمور يخل بواقع العلم وبأبعاده المنطقية على السواء، ولعله يعود في جانب منه إلى إغفال الدلالة الكاملة لتاريخية تنامي الأنساق العلمية. وهو على أية حال يمثل زاوية افتراق لاكاتوش عن رائده بوبر.