بداية، أخرج كون دراسته المذكورة في الهوامش «منطق الكشف أم سيكولوجية البحث»؛ ليحاول تبيان أن بوبر أيضا يشاركه الانشغال بهذه الأبعاد، وأن فلسفته تستند عليها مثلما تستند فلسفة بوبر عليها. والجدير بالذكر أن هذه الدراسة في صلبها مناقشة نقدية لكارل بوبر، توضح ما أراد كون أن يضيفه أو يبدله في الطريق البوبري، مما يعني أنه مواصل بشكل ما لهذا الطريق.
إن بوبر حين فتح باب الخروج من أطر الوضعية والاقتصار على تحليلاتها المنطقية، وأكد أن المشكلة العلمية والمشكلة الفلسفية على السواء هي المشكلة الكوزمولوجية الشاملة؛ كان يمهد الطريق لعناية فلسفة العلم بتاريخه وبهذه الأبعاد الخارجية اللاإبستمولوجية. وإن تطرف المسار أكثر مما أراد بوبر فلنذكره بنظريته الرائعة في العالم 3، المختلف عن العالم 1 عالم المادة والعالم 2، عالم الذات والخبرات الشخصية، ففي العالم 3 يستقل المنتج الذهني عن مبدعه ويخلق نواتجه ومشكلاته، ثم إن بوبر أنكر تماما البدء بالملاحظة وتعميمها، وأسرف في تأكيد أن منطلق البحث العلمي فكرة في ذهن العالم أو فرض ما يعمد إلى اختباره تجريبيا أو محاولة تكذيبه. وإذا سألنا بوبر: من أين يجيء الفرض، وهو اللبنة الأساسية للعلم وتقدمه؟ لعولت إجابته بصفة أساسية على عوامل سيكولوجية متعلقة بقدرات العالم المبدع ونصيبه من الذكاء وحسن استيعابه للحصيلة المعرفية السابقة، أما منهج العلم ومنطقه فيستحيل أن يرسم الطريق إلى الفرض العلمي. فهل يمكن بعد هذا الزعم بأن بوبر يستبعد تماما العوامل السيكولوجية والسوسيولوجية وسواها من أبعاد لا إبستمولوجية خارجية، لكن حميمة تؤكد ببساطة أن العلم ظاهرة إنسانية ونشاط إنساني. وهذه بديهية غابت تماما عن العلم النيوتوني الحتمي الميكانيكي، ولم تتبد إلا مع ثورة العلم في مطالع القرن العشرين، ثورة النسبية والكوانتم وما تلاهما. ولئن كان كارل بوبر رائدا عظيما فلأنه في طليعة المتمثلين لهذه الثورة العلمية ولانعكاساتها التي تؤكد فعالية العقل الإنساني في صنع قصة العلم.
لقد اكتسبت فلسفة العلم مع توماس كون - جهارا نهارا - كل أبعادها الإنسانية كمحصلة منطقية لتسلحها بالوعي التاريخي. أو ليس التاريخ مجال التغير والصيرورة والفعل، فكان أخص خصائص الإنسان، الكائن الوحيد الذي يصنع تاريخا، وكان علم التاريخ بدوره أبا العلوم الإنسانية، فكان الوعي التاريخي يفضي بفلسفة العلم إلى أنسنة الظاهرة العلمية، في فلسفة توماس كون التي حق اعتبارها تمثيلا عينيا للوعي بتاريخ العلم.
وكما هو معروف، أثارت فلسفة كون جدلا عاصفا، وما زالت تثير المزيد حتى بعد رحيله، وعدت من العلامات الفارقة في تطور فلسفة العلم، وتباينت الآراء بشأن التأثير والتغير الذي أحدثته. والمنظور المطروح الآن أن استحضار الوعي بتاريخ العلم في صلب فلسفته مركز التأثيرات الموارة التي أحدثها كون.
رابعا: ذروة الوعي التاريخي: إمري لاكاتوش
رافق توماس كون وأعقبه رعيل من المستقطبين لتلك التطورات الموارة، السائرين في هذا الطريق البوبري - الكوني اللاوضعي، معرضين عن منطق تبرير المعرفة العلمية، ومعنيين بمنطق الكشف والتقدم العلمي تأكيدا وتوطيدا لتيار الوعي التاريخي، وفي طليعتهم وأشدهم تجريدا وتجسيدا للوعي التاريخي في فلسفة العلم الفيلسوف المجري إمري لاكاتوش
Imre Lakatos
صاحب القول النافذ والشهير: «فلسفة العلم بدون تاريخه خواء، وتاريخ العلم بدون فلسفته عماء.»
وقد صاغه عن طريق تعديل قول إيمانويل كانط المتواتر: «إن المدركات الحسية بدون تصورات عقلية عماء والتصورات العقلية بدون مدركات حسية خواء.» وكأن وقائع تاريخ العلم محض مدركات عمياء، ونظريات فلسفة العلم محض تصورات عقلية فارغة، فلا معنى ولا جدوى ولا قيمة لأحدهما بدون الآخر. ذانك معا في فلسفة كانط يفضيان إلى إدراك الطبيعة أو عالم الظواهر، وهذان معا في فلسفة لاكاتوش يفضيان إلى إدراك ظاهرة العلم. وكما جاهر كانط في مقدمة الطبعة الثانية لعمله الأكبر «نقد العقل الخالص» العالم لا يعرف من الطبيعة إلا ما يفرضه عليها، وليس المقصود بما يفرضه مجرد الافتراض العلمي أو التفسير المؤقت، بل أيضا «إعادة بناء الظاهرة وإضفاء الصورة العقلية والصنعية عليها»