29
بمعنى مجتمع العلوم الطبيعية. إن هذا الإجماع على النتائج له تأثير كبير في المنزلة الفريدة التي يتمتع بها العلم، وهو الذي يجعل الناس يتصورون أن العلم هو الشكل الوحيد للمعرفة الحقيقية طالما أن هذا الإجماع لا يحدث في سواه، فتتواتر وقائع تاريخ العلم وكأنه - كما يقول بولكن هورن - سير القديسين، أو المصدر الشرعي الوحيد لأية معرفة بالحقائق. ومن يريد معتقدات قائمة على أساس صلب فعليه بالعلم الذي تجتمع كل الأطراف المعنية على نتائجه. هذا الإجماع على النتائج الذي ينفرد به العلم هو ما حاول توماس كون تفسيره بالقالب النظامي وقالب المثلية، مؤكدا أن إجماع المجتمع العلمي قيمة فائقة الأهمية تضمحل معها احتمالات الصراع الذي يبدد الوقت والجهد، وسرعان ما يعيد القالب النظامي تنظيم وتوحيد مسار الجهد حول مجموعة محددة من القواعد لحل الألغاز.
من هنا يرى كون أن تفسير التقدم العلمي لا بد وأن يرسو في نهاية المطاف على عوامل سوسيولوجية وسيكولوجية وعلى توصيف لنسق القيم أو الأيديولوجيا، بمعية تحليل وتوصيف المؤسسات التي يتقدم العلم من خلالها. وإذا عرفنا قيم العلماء يمكن أن نتفهم المشاكل التي يضطلعون بها والحلول التي يرسون عليها. وينكر كون إمكانية طرح هذه العوامل الأيديولوجية والسوسيولوجية والسيكولوجية من أية إجابة عن سؤال التقدم العلمي.
30
فكان كون شديد العناية بهذه النواحي مؤكدا تآخي العلم مع الظواهر الحضارية الأخرى. لقد قامت فلسفته للعلم - كما رأينا - على أساس التحقيب التاريخي للعلم عن طريق توالي النماذج الإرشادية، ويشير صراحة إلى أن مؤرخي المناشط الإنسانية كالآداب والموسيقى والفنون والتطور السياسي ... قد سبقوه، فكثيرا ما استعانوا بتحقيب تاريخ هذه الأنشطة عبر قطائع ثورية في الطرز والأذواق وبنية المؤسسات، وكان هذا التحقيب أداة أثيرة من أدواتهم المعيارية. وكل أصالة ينسبها كون إلى نفسه - كما يقول - فقط في أنه أول من طبق هذا على العلم الذي كان يظن أن تطوره في طريق مخالف تماما.
31
إذن لا يقنع كون بأي خلاف جوهري بين التطور في الفنون والآداب والنظم السياسية والإنسانيات والتطور في العلم. وله صراحة دراسة حول العلاقة أو التشابه والتماثل بين هذا وذاك.
32
هكذا كان توماس كون شديد العناية بالنواحي الأيديولوجية والسوسيولوجية والسيكولوجية والالتزامات الخلقية وأصول التنظيم والإدارة ... إلخ للظاهرة العلمية، من حيث هي - ببساطة - ظاهرة في عالم الإنسان. فتلك هي الأبعاد الحميمة للظواهر الإنسانية.
وقد لام كارل بوبر كون على كثرة انشغاله بهذه الأبعاد. وفي المقابل تماما ليم كون على أن نظرته السوسيولوجية لم تكن شاملة بما يكفي، فقد قصر اهتمامه على ما أسماه الجماعة العلمية أو المؤسسة العلمية، واقتطعها عن سائر المجتمع الذي تحيا في سياقه الثقافي، فعزل اكتشافات الوقائع والابتكارات النظرية عما يحفز إليها في الواقع المتغير للمجتمع والثقافة، فأوشكت الجماعة العلمية أو المؤسسة العلمية أن تكون صومعة رهبان أو تكية للصوفية يديرونها بأنفسهم، ولا تختلف عنها إلا في أن الانقلابات والثورات تقع فيها بين الحين والآخر.
33
وحتى ينطلق النقد من مرميين متقابلين هكذا، فإن هذا يوضح عظم البوابة التي فتحتها فلسفة كون للعلم حين تدججت بالوعي التاريخي، وكيف أنها ستأتي بالوابل الغزير من أبعاد الظاهرة الإنسانية. وهو وابل رآه البعض - منهم كارل بوبر والوضعيون المناطقة - طوفانا قد يطيح بركائز منزل فلسفة العلم، ورآه البعض الآخر فيضانا حين نتحكم في منسوبه يعد فلسفة العلم بخصب ونماء ممتد. والواقع أن الطبيعة التقدمية المفطورة في بنية العلم، وبالتالي في بنية التفكير العلمي، تجعلنا نرحب بكل تطور آت، وبالتالي تجعل الاحتمال الثاني هو الأرجح. وهذا ما ستكشف عنه الصفحات المقبلة بشيء من التفصيل.