تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24

هكذا يعرج كون على ما أسماه «أيديولوجيا المجتمع العلمي» ويهتم بها اهتماما بالغا. ولئن كان المجتمع يغدو مجتمعا وليس مجرد حاصل جمع آحاد من الأفراد عن طريق الأيديولوجيا، فإنه يمكن اعتبار النموذج الإرشادي بمثابة أيديولوجيا المجتمع العلمي التي تصنع تماسكه وتجانسه في الحقبة التاريخية المعنية. فقد صدر «بنية الثورات العلمية» عام 1962م، وبعد فترة اختمار ومراجعة واستجابة لردود الفعل، أعقبه توماس كون بدراسة صدرت عام 1971م هي «أفكار لاحقة بشأن النماذج الإرشادية

Second Thoughts on Paradigm » تدور حول مجموعتين من الأفكار التي نستكشفها بواسطة النماذج الإرشادية. فأولا هناك العناصر المشتركة التي تفسر خاصية التواصل المهني في المجتمع العلمي الذي يسري بسهولة نسبيا بغير مشاكل، وإجماع العلماء على الأحكام التي يصدرونها بشأن النظريات وسواها. وهذا ما أسماه كون القالب الانضباطي

Disciplinary Matrix . وثانيا مجموعة من الأفكار حول ما يجعل المجتمع العلمي يقبل حلولا عينية لمشكلة معينة قبولا سلسلا ومتآلفا، فيما أسماه كون قالب المثلية

Exemplar Matrix . وهاتان المجموعتان من الأفكار تبرزان إلى أي حد يحمل النموذج الإرشادي أيديولوجيا تقولب المجتمع العلمي.

ومثل هذا الجنوح نحو «الأيديولوجيا» والتعويل عليها دفع جون واتكينز إلى إخراج دراسة بعنوان «ضد العلم العادي» فحواها أن كون خرج من أعطاف كارل بوبر، وبقدر ما ابتعد عن بوبر بقدر ما ضل الطريق. وانتهى واتكينز إلى أن العلم العادي يماثل - من المنظور البوبري - أداء العقول المغلقة في قلب المجتمع المغلق.

25

وبصرف النظر عن تفاصيل ردود كون على واتكينز،

26

فإن كون بعامة يبدو أكثر استيعابا ومجاراة لتطور العلم في النصف الثاني أو الربع الأخير من القرن العشرين. فصحيح أن العلم الحديث منذ نشأته يتسم بطابع جمعي تعاوني، إلا أنه في الآونة الأخيرة تزايدت حدة هذا الطابع إلى درجة غير مسبوقة، بحكم تصاعد متوالية المعرفة ومدى الأبحاث العلمية واتساع نطاقها وارتفاع تكاليفها. وكما سنوضح حين نتوقف لاحقا عند سوسيولوجية العلم التي يتحمل كون الآن أعباءها ويرفع لواءها، فقد انتهت تقريبا صورة العالم الفرد المنعزل بأبحاثه وعبقريته العلمية، وأصبح الشكل العام للبحث العلمي الآن في صورة برنامج ضخم يعكف على إنجازه فريق من الفنيين والدارسين والباحثين والعلماء. قد يقودهم عالم أكثر عبقرية وقدرات عقلية تكون السبب المباشر في الإنجاز العلمي، لكن لا بد أن يعملوا جميعا في إطار مؤسسة كبرى - جامعة أو مركز أبحاث أو شركة عملاقة أو هيئة قومية - قادرة على تمويل برنامج البحث وتوفير متطلباته.

والحق أن العلماء أنفسهم بهيئاتهم وأجهزتهم ومجالات عملهم وموضوعاته وأهدافه، يمثلون أهم مؤسسات الحضارة المعاصرة بالمعنى الاعتباري أو الاجتماعي لمفهوم مؤسسة

Institution .

27

وكان توماس كون أشد فلاسفة العلم إدراكا لهذا الطابع الجمعي الذي لازم العلم الحديث منذ نشأته وتزايد في الوقت الراهن. لم يعن كون كثيرا - كما فعل كارل بوبر مثلا - بدور العبقرية الفردية في خلق قصة العلم، وانصب اهتمامه على المجتمع العلمي أو الجماعة العلمية أو بالأحرى المؤسسة العلمية، التي تعمل في إطار النموذج الإرشادي المطروح، حتى نعتت فلسفته للعلم بأنها «عقلانية مؤسساتية»

Institutionalized Rationality .

28

لا غرو إذن أن يمثل النموذج الإرشادي أيديولوجيا المجتمع العلمي أو المؤسسة العلمية، التي لا تقتصر على خلق نوع من الانسجام بين أفراد المجتمع أو الجماعة كما تفعل أية أيديولوجيا، بل يتسم المجتمع العلمي بدرجة فريدة من التآزر والتضافر والتكاتف إلى حد يكاد يميزه عن أي منشط إنساني آخر، فيهتف جاستون باشلار: «أي تفاهم ضمني يسود الحاضرة الطبيعانية.»

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢١٣