Self-Correction
التي نتفق على أنها من خواص المعرفة العلمية.
ظهور الشذوذ تتلوه محاولة لاستكشاف مجاله، والمواءمة بينه وبين النموذج الإرشادي، ومحاولة تعديل أدوات النموذج. ولكن إذا بدا إسراف في هذا التعديل فها هنا أزمة. الأزمة تعني أنه قد آن الأوان للخروج من سياق العلم العادي وتعديل النموذج. المعرفة هنا ليست تراكمية بل ثورية، تماما كما تحدث الثورة السياسية حين يشعر أفراد المجتمع أن المؤسسات القائمة لم تعد كافية لحل المشكلات أو قادرة على هذا. الثورة العلمية تحدث نتيجة تغيرات لاستيعاب ظاهرة من نوع جديد من قبيل الأكسجين أو الأشعة السينية، ظاهرة خلقت أزمة. عن الأزمات تنبثق النظرية العلمية الجديدة التي تغير تقاليد البحث وأبعاد الرؤية الميتافيزيقية ومدلولات المفاهيم العلمية والوقائع التجريبية. فإن تغلبت النظرية الجديدة على منافساتها وأثبتت ذاتها يتم التسليم بها كنموذج إرشادي جديد، يطرح ألغازا تحتاج لمهارة الباحثين ... وهكذا دواليك.
وما ينتج عن الأزمة من انتقال إلى نموذج إرشادي جديد هو الثورة العلمية، التي تعني تغييرا في النظرة إلى العالم. وهذا التغيير يبلغ حد اللامقايسة
uncommensurability ، أي عدم قابلية النظريات العلمية للقياس المتكافئ، للحكم عليها بنفس المقاييس وتقييمها بنفس المعايير. لكل نظرية إطارها ومفاهيمها وعالمها، حتى إن الحوار بين نظريتين في مرحلتين مختلفتين، أي في نموذجين إرشاديين متعاقبين هو بمثابة حوار بين الصم، لن يسمع أحدهما الآخر.
23
مفهوم الكتلة أو مفهوم الجاذبية عند نيوتن مختلف تماما عن مفهوم الكتلة أو مفهوم الجاذبية عند آينشتين، فكيف يتحاوران؟! الحكم على النظرية العلمية وتقييمها لا يكون البتة بالقياس إلى نظرية سابقة عليها أو تالية لها في صيرورة التقدم العلمي، بل فقط في إطار عصرها وتحدياتها وظروفها العلمية، مما يجعل لكل نظرية مقاييسها الخاصة في ضوء نموذجها الإرشادي الذي تعمل به. هكذا نجد مفهوم اللامقايسة أو عدم قابلية النظريات العلمية للقياس المتكافئ بمثابة بلورة للوعي التاريخي في فلسفة العلم، واعتبار النظرية العلمية فقط في ضوء الموقع الذي احتلته من تاريخ العلم، فلا تضاهيها نظرية أخرى في موقع تاريخي آخر.
اللامقايسة تكاد توازي مفهوم القطيعة المعرفية عند جاستون باشلار. اللامقايسة أو القطيعة مفاهيم تعبر عن فواصل وانفصالات في التقدم العلمي تنقض الاستمرارية الآلية والاتصال التراكمي الذي كان سائدا في القرن التاسع عشر وسايرته الوضعية المنطقية. إنها تنكر الاتصال في العلم، بمعنى الطريق الممهد السائر قدما للبحث العلمي، وتؤكد الانفصالية من حيث تؤكد الوعي التاريخي، وتعيين المرحلة التاريخية للنظرية العلمية.
وبلغت حدة استشعار كون لأهمية الوعي التاريخي أن اهتم اهتماما كبيرا بشأن المراجع العلمية أو كتب تدريس العلوم
Textbooks ؛ لينحو باللائمة على افتقادها للبعد التاريخي، وكأنه أخذ على عاتقه أن يحل الوعي التاريخي في كل أرجاء المعمورة العلمية!
إن هذه الكتب - فيما يرى كون - ذات هدف إقناعي تربوي هو تعليم وتدريب دارسي العلوم على مزاولة حرفتهم في إطار العلم العادي، فتعرض بنية المعرفة العلمية التي اكتملت وتم إنجازها، أي تسجل الناتج الثابت المستمر لثورات الماضي وتمثل الأساس لتقاليد العلم العادي الناتج عنها، ولا تعرض للثورة نفسها فتبدأ بوأد إحساس طالب العلم وباحث المستقبل بالبعد التاريخي لمبحثه، أو تكتفي بلمحات منه كمقدمة ومدخل، ولا تذكر من التاريخ إلا ما يؤدي في خط مستقيم إلى النموذج الإرشادي المعمول به. وكأن الانتقاص من قيمة التاريخ يكاد يكون متأصلا في «أيديولوجيا الصنعة العلمية»، فما الحاجة «إلى بذل الجهد من أجل ما تم نبذه ورفضه وتجاوزه. والنتيجة هي عرض تاريخ للعلم يؤدي في خط مستقيم إلى النقطة التي أقف فيها - أي النموذج الإرشادي المعمول به - وهذا يفسد تصور طبيعة العلم».