كل صفحة من صفحات هذا الكتاب بمثابة البيان المبين عن إيجابيات تسلح فلسفة العلم بالوعي التاريخي، وعن خصوبة التناول التاريخي حين يتم في الأطر الفلسفية. وهذا هو ما تعكسه خطوط فلسفة كون للعلم، فهي لا تترسم أصلا إلا عبر مساحة زمنية معينة، مراحل تاريخية متعاقبة للمعرفة العلمية. ولئن كانت النظريات الأخرى لفلسفة العلم - بما فيها نظرية بوبر ذاته - تترسم مرة واحدة متكاملة متحاورة عن المعرفة العلمية بما هي كذلك، أي بما هي مواصلة لتاريخ التقدم، فإن فلسفة كون تقوم على أساس التمييز بين مراحل العلم العادي ومراحل الأزمة ومراحل الثورة.
وفي تبيان هذا نلاحظ قبلا أن توماس كون في طليعة السائرين في ركاب الثورة على الوضعية المنطقية و- طبعا - مفهومها الضد تاريخي لفلسفة العلم. ويسلم معنا بأن التقدم المستمر هو السمة المميزة للمعرفة العلمية، وأن دراسة تاريخ العلم تفصح عن زيف مفهوم «التراكم» إذا أخذنا به على خط مستقيم. ويؤكد مع بوبر على أن الثورة هي مفتاح هذا التقدم، لكنه يختلف عنه حين يرفض تطرف بوبر الثوري واعتبار كل تقدم علمي ثورة. وفي كل حال نجد أن إشكالية التقدم العلمي قد تمركزت الآن حول مصطلح الثورة/الدورة.
في البداية بحث كون نظرية كوبرنيقوس كمثال نموذجي للثورة العلمية.
21
وكان هذا موضوع محاضراته في جامعة هارفارد، ثم صدر كأول كتاب له عام 1957م. وبعد هذا بخمس سنوات صدر كتابه الأشهر «بنية الثورات العلمية» الذي يحمل فلسفته المتكاملة للعلم.
تقوم فلسفة كون على التمييز في مسار العلم أو تقدمه بين مراحل العلم العادي
Normal Science
الذي يسير في إطار النموذج القياسي الإرشادي
Paradigm ، وبين المراحل الثورية في هذا التقدم التي هي انتقال من نموذج إرشادي إلى آخر.
النموذج القياسي الإرشادي هو النظرية العامة التي يلتزم بها المجتمع العلمي في مرحلة ما، وبلوغ النظرية مرتبة النموذج الإرشادي يعني أنها أفضل من كل منافساتها، أي ثبتت ووجب التسليم بها وبكل مسلماتها ومناهجها ومفاهيمها العلمية وخلفياتها الميتافيزيقية، فتغدو النظرية بكل هذه الأبعاد بمثابة نموذج إرشادي يحدد مدلول الوقائع التجريبية، يطرح معايير الاختبار والتقويم والتنقيح، والتعديل إذا لزم الأمر. والأكثر فاعلية أنه يطرح المشاكل التي يجب دراستها وأنماط الحلول المطلوبة. المجتمع العلمي الناضج يسهل نسبيا تحديد نماذجه الإرشادية، وغني عن الذكر أن الرياضيات كانت أسبق العلوم طرا في اصطناع نموذج إرشادي واضح المعالم. ولا بد للنموذج الإرشادي أن يثير مشكلات للبحث، وإذا توقف عن هذا مع استمرار التسليم به لا يعود برنامج بحث علمي، بل هو مجرد تقنية خاصة بمهنة معينة.
إن مشكلات البحث العلمي مختلفة والنموذج الإرشادي لا يثير منها إلا الألغاز
Puzzle
التي تفسح المجال لإثبات قدرة الباحث الخلاقة ومهارته الخاصة في الوصول إلى حل لها. التسليم بنموذج إرشادي معين هو الذي يطرح ألغازا، بمعنى أنه يهيئ للباحثين اختيار مشكلات يمكن الوصول إلى حل لها طالما نسلم بهذا النموذج.
22
هكذا نلاحظ أن العلم العادي لا يقوم باختبار النموذج ذاته أو محاولة تكذيبه كما يرى بوبر في ثورته الدائمة. فالعلم ينمو ويتقدم في مراحله العادية من خلال حل الألغاز التي يثيرها النموذج الإرشادي المسلم به، والمعرفة هنا تزداد دقة واتساعا وتوالي إحراز أهدافها ليتمثل نجاح المشروع العلمي بصورة تدعو حقا للإعجاب، لكنها تخلو من الابتكارات الجوهرية والإبداع العظيم. وعلى هذا النحو تنمو المعرفة العلمية في إطار العلم العادي بصورة مطردة - صورة تراكمية.
ويظل الحال على هذا المنوال التراكمي حتى يظهر الشذوذ، أي ظاهرة لا يتوقعها النموذج الإرشادي المعمول به، لا يتنبأ بها ولا يهيأ الباحث للتعامل معها، فيبدأ الخروج عن أطر النموذج الإرشادي ومحاولات تعديله، وهذا عادة ما يلقى مقاومة ما في البداية. ولكن لنلاحظ مبدئيا كيف أن النموذج الإرشادي ذاته هو الذي يفتح الطريق للخروج منه والبحث عن نموذج جديد. وهذه هي صياغة توماس كون لخاصية التصحيح-الذاتي