تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعل دراسته التمهيدية الرائدة «للتاريخ دور»

A Role For History ، التي جعلها مقدمة لكتابه الشهير «بنية الثورات العلمية» بمثابة العلامة الفارقة في حدوث هذا؛ إذ يؤكد فيها أننا إذا أدركنا أن التاريخ ليس مجرد سرد أحداث متعاقبة، فسوف يحدث تاريخ العلم تغييرا جوهريا في تصور العلم الذي يسيطر على الأذهان.

18

ومن سجلات التاريخ سوف تخرج صورة مختلفة تماما لمفهوم العلم، شريطة ألا يكون هدفنا هو تقييم الماضي بمقاييس اليوم أو أن يجيب التاريخ عن أسئلة يطرحها ذلك التصور النمطي للعلم في وضعه الراهن.

عني كون في دراسته «للتاريخ دور» بتوضيح قصور وسلبيات المعالجة المقتصرة على الإنجاز العلمي في اكتماله الراهن. وهذه هي صورة العلم المطروحة في المراجع العلمية والكتب الدراسية

Textbooks ، ومهما استصوبتها النظرة المجردة واحتاجتها لأغراض تعليمية، فإنها لا تطابق بحال المغامرة العلمية كما تدفقت وتتدفق في الواقع، وإذا حاولنا أن نخرج منها بصورة عامة للنشاط العلمي أو المشروع الذي أنجز هذا النسق الراهن فإننا في هذه الحالة أشبه بمن يحاول الخروج بصورة عامة عن الثقافة القومية لقطر ما من خلال كتب دعاية سياحية أو من خلال نص لغوي وصفي. معنى هذا أن فلسفات العلم التي انفصلت عن تاريخه وتعاملت فقط مع المعطى الراهن لتدور في إطار الصياغة المثلى للمنهج العلمي ولبنية النظرية العلمية وخصائصها ومعاييرها ... هي أشبه بمنشورات سياحية عن أروع وأبرز المعالم، ما يستحق الرؤية ويمتع الناظرين والجوالة في دولة العلم الزاهرة، ربما يثري رحلتهم، ويجعلها ذات مردود مستحق للإنفاق، لكنه ليس البتة الصورة الحقيقية أو المتكاملة للواقع العملي المتعين والمتدفق حيث المغامرة العلمية التواقة العسيرة في صعودها وهبوطها ومنحنياتها. إن التخطيط الحقيقي للعلم كمشروع متنام ونشاط دافق وفعالية متقدة، أنتجت في النهاية ذلك النسق العلمي المنجز الراهن الذي نبحث عن فلسفته ... مثل هذا التخطيط لا يستقى إلا من سجلات تاريخ العلم، كما أكد توماس كون - قولا وفعلا.

لعل أبرز العوامل التي استحضرت الوعي المتقد بتاريخ العلم في فكر كون أن علمه الغزير بهذا التاريخ كشف له عن اختلافات حادة بين القواعد والمبادئ والمفاهيم والأوليات التي يعمل بها العلماء في مرحلة عن تلك التي يعملون بها في مرحلة أخرى، وما يبدو لجيل من العلماء بديهية أو مسلمة أولية قد يبدو لجيل آخر خرافة أو مسألة ثانوية. ونذكر في هذا الصدد قولا للفيلسوف الأمريكي المنتمي للواقعيين الجدد آرثر لفجوي

A. Lovejoy (1872-1962م) في كتابه «سلسلة الوجود الكبرى» إذ يقول:

وقد تجد قسما من تفكير امرئ أو مدرسة أو قل جيل ما، يهيمن عليه ويطبعه شكل من أشكال الاستدلال أو حيلة من حيل المنطق أو الافتراض المنهجي التي لو أفصح عنها لتبين أنها عبارة عن قضية منطقية أو ميتافيزيقية ضخمة وهامة، ربما كانت موضع جدل طويل.

19

ومن الملائم تماما الاستشهاد بلفجوي وكتابه «سلسلة الوجود الكبرى» الذي ما فتئ كون يؤكد في كل موضع أنه ترك التأثير الأعظم على تفكيره. ولفجوي في هذا الكتاب يعرض تاريخا للفكر الفلسفي لا بوصفه أشخاصا أو مذاهب متعاقبة، بل سلسلة من الوحدات الفكرية الكبرى أو المراحل، تأخذ برقاب بعض وتؤكد الدور الذي تلعبه المفاهيم الكبرى في تطور الفكر العام، وسيطرة بعض أنماط التفكير في شتى حقول الحياة العقلية والاجتماعية في حقبة ما، أو عند جماعة ما، وضرورة النفاذ إلى فحواها الأخير.

20

وليس يصعب إدراك كيف ألهم هذا توماس كون، بتصور تاريخ العلم كسلسلة من النماذج الإرشادية المتعاقبة، التي سنراها مركز فلسفته للعلم المعروضة في أبحاثه، وعلى رأسها بالطبع كتابه الذائع الصيت والواسع الانتشار «بنية الثورات العلمية».

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢١٠