15
هكذا جعل بوبر الموقف الماهوي من الألفاظ الكلية يعني موقفا من طبيعة القانون العلمي يرى أن العلم ينفذ إلى ماهيات الموضوع، فيكون هدفه إعطاء تفسير نهائي للعالم. فالقانون العلمي هذا بمثابة اكتشاف لحقيقة مطلقة يقينية ضرورية، وهو طبعا اتجاه يرفضه بوبر تماما وينقده بالتفصيل، ويشاركه في هذا الرفض جمهرة فلاسفة العلم المعاصرين. فهو اتجاه انتهى تقريبا وأوهى من أن نخوض في نقده. والذي يهمنا من أمره أنه - في لي عنق مشكلة الكليات لكي تؤدي إليه - يوضح إلى أي حد اتسع مفهوم المنهج عند بوبر حتى استوعب جل المشكلات الفلسفية الكبرى. وكان هذا الاستطراد ليبين كيف استغرقت الإشكالية المنهجية فلسفة بوبر.
وفي المقابل فإن سؤال المنهج بلغ مع بوبر غايته. الغاية بمعنى قمة النضج والنماء فلا يرجى من ورائها مزيد، ولا تعود فلسفة العلم في حاجة إلى طرح سؤال المنهج مجددا، بل عليها استئناف المسير في الطريق الجديد، إلى حدود قد تسمح بدعاوى «هذا المنهج» مع فييرآبند وأقرانه، ما لم يتسع مفهوم المنهج ليصبح شاملا للنظرة الإبستمولوجية.
تعملق الوعي بمنهج العلم عند شيخ فلاسفة المنهج كارل بوبر لم يترك مجالا رحيبا للوعي بتاريخ العلم أو بماضيه. ولئن كان بوبر يصوب الأنظار شطر مستقبله فليس هذا مبررا. وبوبر أكثر الجميع إقرارا لكون «أية مشكلة من مشكلات الماضي إذا أعيد طرحها في الوقت الحاضر تغدو مشكلة حاضرة،
16
وكثيرا ما استعان بهوامش من تاريخ العلم لتعضيد هذه الفكرة أو تلك. وهو يؤكد أن كل النظريات العلمية تطورت عن الميتافيزيقا أو عن الأساطير البدائية، هذا فضلا عن ولع بوبر الخاص وباعه الطويل في تاريخ الفلسفة الذي يكتسب على يديه حيوية لا تضاهى، تثبت أن كل محاولة للتاريخ لنظرية فلسفية، ولو كانت المحاولة رقم ألف، تحمل إمكانيات لبعث حياة جديدة لهذه النظرية واستكشاف أبعاد ما كانت تخطر على بال.
17
وعلى الرغم من كل هذا ظلت الأبعاد التاريخية مجرد هوامش لفلسفة بوبر تخدم المتن الذي لم يخرج عن بحث منهج ومنطق العلم في آخر صوره وأعلى طوابقه، اللهم إلا في أن العلم عند بوبر ليس نسقا مشيدا بقدر ما هو فاعلية ونماء وصيرورة وثورة متواصلة.
وفي النهاية لم يمثل بوبر شخصيا وعيا حادا بتاريخ العلم، بل إن «منطق الكشف العلمي» في أصله الألماني اتسم إلى حد كبير بسمة لا تاريخية، خفت في أعمال بوبر المتأخرة، ولكن حسبه تماما الريادة وشق الطريق الجديد وتمهيده إياه بكل ذلك العزم والحسم.
ثالثا: حلول الوعي التاريخي: توماس كون
ويظل تأكيد بوبر على مفهوم «الثورة» من أثرى مواطن إسهامه، فسوف يلتقط توماس كون
T. Kuhn
أيقونة الثورة من كارل بوبر، ويقيم بنيانه لتاريخ العلم وفلسفته على أساس «الثورة» التي هي انتقال من نموذج قياس إرشادي
Paradigm
إلى آخر، فيما يمكن اعتباره بمثابة الإعلان الصريح لحلول الوعي التاريخي في صلب فلسفة العلم.
أجل، كان التحول الحاسم في اتجاه الوعي التاريخي مع توماس كون، إنه عالم فيزياء نظرية ثم مؤرخ علم متخصص ومقتدر، قام بتدريس تاريخ العلم في أعرق المعاهد الأمريكية: جامعة هارفارد (1952-1956م)، ثم جامعة باركلي بكاليفورنيا، ثم المعهد التكنولوجي في ماساشوتس. وبرصيد تاريخي وافر أقدم كون على رحاب فلسفة العلم كمؤرخ علم ينطلق إلى رحاب الفيلسوف وفيلسوف علم يستند على ركائز المؤرخ: فكان قادرا على إحداث التحول في اتجاه الوعي التاريخي.
والسيرة الذاتية لتوماس كون شخصيا تعكس بدورها مثل هذا التحول، فقد كان يستعد لنيل درجة الدكتوراه في الفيزياء النظرية - التي حصل عليها عام 1949م - فأتيحت له فرصة الاشتراك في مقرر دراسي بالجامعة يقدم علم الفيزياء لغير العلماء المتخصصين، فتعرف لأول مرة على تاريخ العلم، ثم جال في ميادينه حين ظفر بمنحة لمدة ثلاثة أعوام في جامعة هارفارد العريقة التي تهتم كثيرا بمباحث تاريخ العلم لا سيما بعد أن وطد أركانه فيها جورج سارتون. وفي هارفارد نعم توماس كون برعاية شخصية خاصة من رئيس الجامعة مؤرخ العلم البارز جيمس كونانت، وله كتاب مترجم إلى العربية هو «مواقف حاسمة في تاريخ العلم»، فتح تاريخ العلم أفقا واسعا أمام كون، فتغيرت تصوراته الراسخة عن طبيعة العلم وعوامل تقدمه، والتي كان قد استقاها من اهتمامه القديم بفلسفة العلم. هكذا كان تحول كون من دراسة العلم إلى تاريخه إلى فلسفته؛ ليهجر البحث العلمي ويحط به الرحال في مضمار فلسفة العلم المسلحة بتاريخه. ويحق لنا اعتبار توماس كون صاحب الفضل المباشر في استحضار الوعي بتاريخ العلم في صلب فلسفة العلم.