تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بهذا الوضع القلق التواق والحركية الدءوبة نتعلم جيدا أن فلسفة العلم يستحيل أن تقتصر على محض التحليلات المنطقية، فهي فلسفة الفعالية الحية والهم المعرفي للإنسان. الميتافيزيقا أفقها الرحيب الذي يلهم بالفروض الخصيبة. إنها تمهد للعلم على اعتبار أن الجهود المعرفية حلقات في سلسلة تطورية تمثل خط نماء المعرفة الإنسانية، العلم بهذه الصورة التطورية أكثر حيوية وإنسانية من أي منشط آخر، قضاياه قابلة دوما للتكذيب والتعديل والتطوير، يلعب الخيال الخلاق والعبقرية المبدعة دورا أساسيا في رسم قصة العلم المثيرة، التي علمت الإنسان المعنى الحقيقي للتقدم، وأنه ثورة مستمرة.

هكذا أغلق بوبر أبواب النظرة السكونية الوضعية للعلم كمنجز راهن منته، فانتقل بفلسفة العلم - كما أبان الفصل السابق - من منطق التبرير إلى منطق التقدم الثوري ... منطق الكشف النابض الدافق، وجعل تغييرا في عنوان أول وأهم كتبه ينص على هذا، وأكد أن شغله الشاغل وهمه الأول تقدم المعرفة العلمية ونموها؛ لينظر إلى العلم كفاعلية ونماء وصيرورة، العلم في حيويته وديناميكيته، في حركيته وتقدميته، مما سيفتح الباب للوعي بصيرورته عبر التاريخ، فكان بوبر الرائد لتلك المرحلة الجديدة من فلسفة العلم، مرحلة ما بعد سلطان الوضعية المنطقية، التي سوف تتسع لتتسلح بالوعي بتاريخ العلم.

ولكن من منظور الوعي التاريخي في حد ذاته، كان كارل بوبر بكل هذا محض رائد مقدام، فتح الطريق ولم يسر فيه إلى غايته، بل حتى لم يقطع فيه شوطا كافيا.

فقد كان بوبر شديد العناية بإمكانيات التقدم، باستشراف مستقبل العلم ودفعه قدما، فظل اهتمامه محصورا في أطر منهج العلم كما هو جار وكما ينبغي أن يكون، بمعايير العلم أو خصائصه المنطقية الراهنة، والتي تهيئ لمستقبل واعد أكثر، مما يعني أنه ظل معنيا بالإشكالية المنهجية، حتى وإن أصبحت منطقا للكشف والتقدم وليس منطقا للتبرير. بل لعل بوبر أكثر الجميع استغراقا في المنهج؛ لأنه ميثودولوجي متطرف يرى علم مناهج البحث ليس مجرد أحد فروع الفلسفة، بل هو أخص خصائص الفلسفة وحصنها الحصين. كل المشاكل الفلسفية - فيما يرى بوبر - حتى الميتافيزيقية يمكن تأويلها بحيث تصبح مشاكل ميثودولوجية! ويضرب بوبر مثالا أثيرا على هذا بواحدة من أعقد المشاكل الميتافيزيقية، وهي مشكلة السببية التي تحل في إطار معالجة مشكلة منهجية بحتة هي مشكلة الاستقراء، أو مثلا مشكلة الموضوعية، يمكن أن تؤول هي الأخرى إلى القاعدة المنهجية الآتية: «العبارات التي تطرح في العلم هي - فقط لا غير - العبارات القابلة للاختبار بين الذوات».

14

وهاك مثال آخر يوضح أكثر مدى حيود النظرة البوبرية في اتجاه المنهج العلمي أو الميثودولوجيا، وهو مشكلة الكليات

Universalities

أو الألفاظ الكلية، فهل هي اسمية أي مجرد أسماء وبدلا من أن نطلقها على فرد واحد نطلقها على مجموعة أفراد، أم إنها واقعية لها كينونة ووجود حقيقي؟ طبعا «الواقعية» هنا ميتافيزيقية جدا، ونظرا لأن مصطلح الواقعية له دلالات كثيرة، ومدلوله الشائع في الفلسفة المعاصرة يختلف كثيرا عن ذلك الاستعمال، فإن بوبر يقترح وضع مصطلح آخر لهذا الاتجاه في النظر إلى طبيعة الألفاظ الكلية، هو مصطلح الماهوية

Essentialism . وكانت مشكلة الكليات واحدة من أعرق مشكلات الفلسفة التي تتوغل في أعماق الميتافيزيقا، ودارت حولها رحى معركة كبيرة في العصور الوسطى تعود أولها إلى فلسفتي أفلاطون وأرسطو، معركة بين ذينك الطرفين: الاسمية

Nominalism ، والواقعية

Realism

أو الماهوية بتعبير بوبر.

هذه المشكلة يراها بوبر مثل سائر المشاكل الميتافيزيقية الكبرى، يمكن إخراجها في صورة جديدة تجعلها مشكلة ميثودولوجية منتمية لعلم مناهج البحث. فالموقف الواقعي الماهوي من الألفاظ الكلية يؤكد أهميتها بالنسبة للعلم، على أساس أن الأشياء الجزئية تظهر فيها صفات عرضية لا تهم العلم، فمثلا يعنى علم الاقتصاد بدراسة النقد والائتمان، ولكنه لا يعنى بما يمكن أن تتخذه القطع النقدية من أشكال ولا بمظهر الأوراق النقدية والشيكات «فعلى العلم أن يجرد الأشياء من صفاتها العرضية وينفذ إلى ماهيتها، وماهية لا شيء على أية حال هي دائما كلية».

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢٠٨