Scientific Novelty
هي بؤرة التقدم والانفصال عن ماضي العلم والإضافة الحقيقية لحاضره.
رأى باشلار أن الجدلية تجعل القطيعة المعرفية مركبا من الانفصال والاتصال، إلا أنه جنح كثيرا ورفض فكرة الاتصال تماما، وركز على الانفصال في حركية العلم وتقدمه، وكان تركيزا يخل بجدلية باشلار التي تجمع بين الطرفين - الاتصال والانفصال - ما دام يجعل القطيعة انفصالات متوالية في تقدم العلم. والواقع أن عنصر الاتصال واستمرارية المعرفة العلمية له أهميته ولا بد أن يلعب دورا ما، وليس من السهل الإطاحة به تماما على طريقة باشلار.
على أية حال، القطيعة المعرفية هي التجاوز النشط المسئول للماضي، فالمبدع الخلاق للحاضر. فلا تعود اللحظة تكرارا كميا للتاريخ، بل هي عمل دءوب، وهي إنجاز - إنجاز للحداثة. وعن طريقها يؤكد الإبداع العلمي حدس اللحظة التي تمثل حقيقة الزمان، من حيث هي الكائنة، وبين غير الكائنين: الماضي والمستقبل، وتغدو الشجاعة الذهنية - بتعبير باشلار - في المحافظة على لحظة المعرفة نشيطة حية، وأن تجعل منها منبعا لحدسنا، متدفقا دوما، وأن نرسم انطلاقا من التاريخ الذاتي لأخطائنا النموذج الموضوعي لمعرفة تكون أفضل وأوضح.
أبدت فكرة القطيعة المعرفية فعالية جمة في تجسيدها للتقدم كثورة تنفصل عن الماضي وتبدأ طريقا جديدا، وشهدت استغلالات وتطبيقات كثيرة في مجالات شتى عبر القرن العشرين، استخدمها ميشيل فوكوه
M. Foucault (1909-1984م) للفصل بين الحقب المعرفية واستخدمها الماركسي الفرنسي المجدد والبنيوي الثائر لوي ألتوسير بصورة موسعة في قراءاته البنيوية للاشتراكية العلمية، أو محاولة صياغة تخطيط لهيكل الماركسية الثابت ووضعها بين الأيديولوجيا والعلم؛ لتتخلص من الأولى وتبقى علما عن طريق القطيعة المعرفية. فتنامت القطيعة مع ألتوسير لتقوم بدور جوهري للخلاص من تشويهات الأيديولوجيا للعلم التي نوقشت في أواخر الفصل السابق. وكانت محاولة ألتوسير في هذا دءوبة، حتى إنه ذهب إلى ما وراء الماركسية وأيضا ما قبل وضعية كونت، وراح يوضح كيف أن مونتسكيو وروسو قد أعاقهما أنهما ظلا ضحية لأيديولوجية الطبقة والعصر، ولولاها لتمكنا من إحراز مشروع العلم السياسي بنجاح أكبر.
13
رأى ألتوسير أن المعرفة تبدأ من الأيديولوجيا، ثم يتعين التخلص منها وإحلال العلم محلها عن طريق القطيعة المعرفية، فكانت القطيعة معه لإفساح الطريق أمام الاشتراكية العلمية، وكان هذا الاستخدام إيذانا بنمو مفهوم «القطيعة» أو تمثيلا لخروجه من أعطاف فلسفة العلم ومن قلب صيرورة التقدم العلمي؛ ليعم المفهوم ويسود بعد ذلك، ويصبح بمثابة «موضة شائعة» في القرن العشرين في مجالات الفكر والفن وما إليه. وعبر عنها الأدب تعبيرا رديئا، بات قولا مأثورا هو «انظر وراءك في غضب». وهذا إسفاف ما كان يداني مفهوم القطيعة وهي في موطنها الأصيل فلسفة التقدم العلمي، حيث أنجبها جاستون باشلار.
وبالعود إلى فلسفة العلم، نجد باشلار - ولا شك - قد أبلى بلاء حسنا في فلسفته للتقدم العلمي التي استطاعت بلورة وتنقيح مفهوم «الثورة». بيد أن باشلار لا يعبأ إطلاقا بالمنطق ويطلق رؤاه النافذة المحيطة بأعماق ظاهرة العلم كشاعر ملهم، بينما القرن العشرون هو العصر الذهبي للمنطق، وفلسفة العلم فيه هي منطق العلم. من هنا كان كارل بوبر هو الأقدر على غرس مفهوم الثورة؛ لأن بوبر منطقي من الطراز الأول، وعالج ثورية التقدم العلمي في إطار معالجة دقيقة لمنطق العلم، فأمكن «للثورة» أن تنمو وتترعرع في فلسفة العلم بعد بوبر وبفضله.
التقدم العلمي ثوري؛ لأن كل نظرية علمية في عرف بوبر ثورة قامت على أكتاف تكذيب سابقتها وإتمام دورتها؛ لتبدأ دورة جديدة قابلة هي الأخرى للتكذيب؛ لتشهد الثورة التالية ... وهلم جرا، فيسير التقدم العلمي في سلسلة متصلة من الثورات. إنه معيار القابلية للتكذيب ذو الصياغات المنطقية الدقيقة التي تستقطب كل أبعاد فلسفة العلم البوبرية، فهو بمثابة حجر الزاوية ومحور الارتكاز فيها، يجسد الطبيعة التقدمية الثورية للعلم، طالما أن الخاصة المنطقية المميزة إياه هي القابلية للتكذيب ... لتعيين الخطأ، وبالتالي تصويبه وتجاوز الوضع إلى ما هو أفضل وأصوب، أي التقدم خطوة إلى الأمام، أو بالأحرى ثورة/دورة إلى أعلى.