تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9

فيؤكد باشلار - تماما كما أكد بوبر - على أهمية النقد، أو حسب تعبيره «هذا الشك المسبق المنقوش على عتبة كل بحث علمي، وهو سمة أساسية لا موقوتة في بنية التفكير العلمي.»

10

من هنا ينتهي باشلار إلى الانفصالات في حركية العلم اللاتراكمية، إلى أن العقل العلمي يتنكر دائما لما ينجزه من حيث دأبه على نقده وتصويبه. من هنا كان منطق العلم منطقا تكذيبيا ومنطق تصحيح ذاتي. إنه لهذا يكفل لتواتر محاولات العلماء الإبداعية، ومحض توالي البحوث المنهجية ... يكفل لها التقدم المستمر، ودائما يفتح أمامها آفاقا أوسع. هكذا كان منطق «الثورة» هو الأقدر على تجسيد التقدم العلمي.

يؤكد باشلار على عمومية الثورة فيقول: «تتضمن أزمات النمو الفكري إعادة نظر كلية في منظومة المعرفة.»

11

وأيضا على عمقها فيقول: «إن الإنسان يصبح بواسطة الثورات الروحية التي يستلزمها الإبداع العلمي جنسا مغايرا.»

12

فهي تؤثر تأثيرا عميقا على بنية العقل المتجددة دوما، وحتى الثورات المتصلة بمفهوم واحد - فيما يرى باشلار - تواكب في الزمان ثورات عامة ذات تأثير عميق في تاريخ الفكر العلمي. وكل شيء يمضي جنبا إلى جنب، المفاهيم وإنشاء المفاهيم. فليس الأمر مجرد كلمات يتبدل معناها بينما يظل الترابط ثابتا، كما أنه ليس أمر ترابط متحرك حر قد يفوز دائما بالكلمات ذاتها التي يترتب عليه أن ينظمها. إن العلاقات النظرية بين المفاهيم تبدل تعريفها، كما يبدل تغير المفاهيم علاقاتها المتبادلة. ويمكننا أن نعبر عن هذا تعبيرا منطقيا فنقول: إن الفكر لا بد حتما أن تتبدل صورته إذا ما تبدل مضمونه، فينفي باشلار أية سكونية تراكمية عن نمو المعرفة العلمية. والمعرفة التي تبدو ثابتة تجعلنا نؤمن باستمرارية الأشكال العقلية وثباتها واستحالة قيام أية طريقة جديدة للفكر.

هكذا يرى باشلار أن الفكر العلمي هو الإبداع الحقيقي وإنشاء الموضوعية، وأن مستنداته الحقيقية هي التصحيحات وتوسيعات الشمولية. وعلى هذا النحو تتم كتابة التاريخ الحركي للفكر. فالمفهوم يحظى بمعنى أكبر، في تلك اللحظة بالذات التي يغير فيها معناه، وإذ ذاك تصبح حدثا من أحداث إنشاء المفاهيم، انفصالا جديدا في تاريخ العلم وحركية تقدمه التي أسرف باشلار على إبراز ما فيها من انفصالات وقطائع، تبلغ الذروة في مفهوم القطيعة المعرفية.

ويمكننا الآن - وعلى ضوء ما سبق - التوقف عند هذه الفكرة الجوهرية التي أبدعها باشلار في إطار فلسفته الجدلية؛ لتلعب فيها دورا محوريا، بحيث تناظر تكذيب النظرية المقبولة عند كارل بوبر، وتكون من أقوى تجسيدات النظرية الثورية وأعتى رفض للنظرية التراكمية الاتصالية، ألا وهي فكرة «القطيعة المعرفية

La Rupture Epistemologique » التي تكاد تكون تلخيصا لما سبق من خطوط فلسفة باشلار، ولكنها خرجت من أعطاف فلسفته، بل ومن حدود فلسفة العلم بأسرها، وشاعت وذاعت وترددت في سائر جنبات الفكر في النصف الثاني من القرن العشرين، حتى كادت أن تصبح من معالمه، لا سيما وأنها أبدت خصوبة وفعالية في تفسير التحولات الحضارية.

والقطيعة المعرفية تعني أن التقدم العلمي مبني على أساس قطع الصلة بالماضي، فهي شق طريق جديد لم يتراء للقدامى ولم يرد لهم بحال، بحكم حدودهم المعرفية الأسبق، وبالتالي الأضيق والأكثر قصورا. وليس هذا بمعنى نفي الماضي وإنكاره والتنكر له؛ فذلك غير وارد في التقدم العلمي الذي يمتاز عن أي تقدم آخر في حضارة البشر بأنه ليس أفقيا بل رأسيا، يرتفع طابقا فوق طابق، فلا يرى نيوتن - كما أكد هو نفسه - أبعد من سابقيه إلا لأنه يقف على أكتافهم ... القطيعة تعني أن التقدم لا يعود مجرد تواصل ميكانيكي أو استمرار تراكمي لمسار الماضي، أو تعديلا أو إضافة كمية له، بل هو شق طريق جديد كل الجدة، والمثال الأثير لباشلار «المصباح الكهربي»، فهو ليس استمرارا لأساليب الإضاءة الماضية التي تقوم على الاشتعال والاحتراق، بل قطيعة لكل هذه الأساليب لحد الشروع في مرحلة تعتمد الإضاءة فيها على الحيلولة دون أي اشتعال أو احتراق ... فهي خلق وإبداع جديد تماما. والجدة العلمية

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢٠٦