ولكن في تلك الآونة، في الثلاثينيات ، أخرج ألكسندر كواريه
A. Koyre
كتابه «دراسات عن جاليليو 1939م» الذي يحمل تطبيقا عينيا لمفهوم «الثورة» كأداة لتفسير نشأة العلم الحديث وطاقته التقدمية. وفي عام 1948م ألقى مؤرخ العلم هربرت بطرفيلد
H. Buterfield
سلسلة محاضرات، حملها بعد عام واحد كتابه «أصول العلم الحديث 1300-1800م» الذي يبشر فعلا بالتفسير الثوري لطبيعة التقدم العلمي. وخلاصة رؤية بطرفيلد لمفهوم الثورة العلمية يتمثل في أن العلماء في مرحلة ما يحدثون تغييرا في مخططات تفكيرهم، يرون الأشياء القديمة بطريقة جديدة، ويحاولون التوصل إلى فكرة تمثل مفتاحا (
Keyidea
وهو تعبير بطرفيلد المفضل) يفض مغاليق التعثر الطارئ. وحينما يتوصلون إلى فض هذه المغاليق تتدفق الاكتشافات بمنتهى السهولة. ويرفض بطرفيلد اعتبار تاريخ العلم تاريخا للأفراد العظام، أو سلسلة من قصص النجاح، أو تراكم الاكتشافات والمعرفة بالوقائع ... فذلك لا يعبر البتة عن التناول السليم لتاريخ العلم. هذا التاريخ المتقد لا تحيط به إلا الرؤية الباحثة عن ثوراته، عن هذا التغيير في مخططات التفكير. وعلم بطرفيلد فلاسفة العلم أن الثورة تعني تغيير مخططات التفكير.
وكما ذكرنا، يعد باشلار من أشد فلاسفة العلم حرصا على إبراز الطابع الثوري للتقدم العلمي؛ إذ يرى أن الخطأ أساسي وأولي، وهو الذي يظل مسيطرا على العقل البشري ما لم يعمل هذا العقل على إزاحته عن مواقعه واحدا بعد الآخر بجهد وكفاح وصراع لا يتوقف. فكل حقيقة لا بد وأن تكتسب بنوع من النضال والانتصار، وكل معرفة لا بد أن تحارب لكي تحتل مواقع الجهل. لذلك فالتقدم في العلم يتم من خلال صراع بين الجديد والقديم، ولا يتحقق إلا بنوع من التطهير الشاق لهذه الأخطاء. المعرفة لا تسير في طريق ميسر معبد مباشرة إلى الحقيقة، بل إن طريقها ملتو متعرج، تمتزج فيه الحقيقة بالبطلان، ويصارع فيه الصواب الخطأ صراعا مريرا كيما يخلص نفسه منه. وهكذا نلاحظ أن فعل المعرفة في كل حال ينطوي في حد ذاته على ثورة ما من حيث ينطوي على صراع، يتبلور هذا الصراع في السلب في «اللا» التي أصبحت مقولة لا يستغني عنها العلم في القرن العشرين «لا حتمية، لا تعين، ميكانيكا لا نيوتنية، وهندسات لا إقليدية ...» ذلك أن الجدة العلمية لم يعد من الممكن اكتسابها إلا عن طريق السلب المنظم، الذي يصارع القديم ويرفضه، ويعبر عن ما يطرأ على العلم من تحولات أساسية، عندما يعيد النظر في مفاهيمه الكبرى، ويراجعها من جديد. وبالتالي يصر باشلار إصرارا على رفض فكرة الاتصال في فلسفة العلم، فمراحل المعرفة العلمية تتصف أساسا بالانفصال في صورتها أو في مضمونها،
7
ولكي يتماسك الكيان العلمي على الرغم من الانفصالات المتوالية في حركيته، يلجأ باشلار إلى المنهج الجدلي، ويزعم أن الفيلسوف الذي يتتبع بالتفصيل حياة الفكر العلمي سيدرك التزويجات غير المألوفة بين اللزوم والجدلية. لذلك كان مصطلح الجدل «الديالكتيك» الذي يعبر عن عدم اتصال المعرفة والانتقال من القضية إلى سلبها، شديد الشيوع في أعمال باشلار، ويحتل عناوين فرعية جمة، وثمة كتابه «جدلية الزمان 1951م».
على أساس الصراع مع الخطأ، السلب والجدلية، الانفصال ... يتضح لنا عمومية التصور الثوري، ويغدو التقدم العلمي مرهونا بجدوسات جريئة تمثل بدورها قفزات ثورية، تعقبها أفكار تصحح أفكارا، فروح العلم هي تصحيح المعرفة وتوسيع نطاقها أو ما أسميناه منطق التصحيح الذاتي. وهذا الأفق من الأفكار المصححة هو ما يميز الفكر العلمي،
8
صاغه بوبر في التكذيب وتجاوزه، وصاغه باشلار في الخطأ وتصويبه. يقول باشلار: «العلم لا يخرج من الجهل كما يخرج النور من الظلام؛ لأن الجهل ليس له بنية، بل يخرج من التصحيحات المستمرة للبناء المعرفي السابق، حتى إن بنية العلم هي إدراك أخطائه، والحقيقة العلمية هي تصحيح تاريخي لخطأ طويل، والاختبار هو تصحيح الوهم الأولي المشترك.»