بيد أن الغاية المرومة في النهاية من كل فلسفة للعلم هي أن تبلور روحه، فتضع الإصبع على شد ما يفجر الطاقة التقدمية للبحث العلمي والتفكير العلمي، ومن ثم للعقل الإنساني والحضارة الإنسانية والنظرية الثورية أقوى ما يدفع الطاقة التقدمية للعلم، أو ليست تجعله ثوريا؟!
ولا بد قبلا من الوقوف عند مصطلح «الثورة» وقفة فيلولوجية؛ لنميز بين جانبين للدراسة السيمانطيقية للمصطلحات هما الجانب الإشاري المباشر والجانب الدلالي الإيحائي. من الناحية المباشرة نجد «الثورة» تعني دائما نمطا من التغيير المفاجئ السريع، مغايرا لمجرد النمو أو حتى التطور الذي هو تغير تدريجي بطيء «يوازيه في تفسير التقدم العلمي النظرة التراكمية»؛ لذلك قيل: إن الثورة مقابلة للتطور: الثورة تحول مفاجئ سريع والتطور تدريجي بطيء.
وهذا المعنى الإشاري المباشر مقصود بعينه، ولكن فيما يختص بالجانب الدلالي الإيحائي، نلاحظ تفاوتا بين لفظة المصطلح الأوروبي
Revolution
وبين المقابل العربي «ثورة»؛ إذ تعود ثورة إلى: «ثار الغبار: سطع. وأثاره غيره، وتثويرا: هيجه. وثوارنا: هاج، ومنه قيل: فتنة ثارت وأثارها العدو. وثار الغضب: احتد. وثار إلى الشر: نهض، وثور الشر تثويرا»،
5
فنجدها في النهاية مردودة إلى «ثار» بمعنى يفيد هاج وماج، فيأتي الرفض والتغيير الجذري بفعل قوى انفعالية، وليس هذا مقصودا تماما. ولكن في الإنجليزية نجد المصطلح ثوري، جذري متطرف
Revolutionary ، وأيضا دوار؛ لأنه مأخوذ من
Revolution
التي تعني ثورة، وتعني أيضا إتمام دورة كاملة (مثلا دورة الجرم السماوي في مداره) ولنلاحظ أواصر القربى الفيلولوجية بين «ثورة»
Revolution ، «نماء أو تطور»
Evolution . فهل جزافا أن جعل بوبر فلسفته الإبستمولوجية تطورية. على هذا نجد المصطلح الإنجليزي لا يجعل الرفض هياجا مفاجئا ، بل هو تقدم مكثف شديد الفاعلية، انتقال جذري إلى مرحلة أعلى آن أوانها، لانتهاء المرحلة السابقة أو استنفاد مقتضياتها. وهذا هو المقصود على وجه الدقة من القول بالطابع الثوري للتقدم العلمي.
وتبقى ملاحظة أن مفهوم «الثورة» في أصله كان مفهوما فلكيا رياضيا بريئا، ولكن لأنه يشير إلى تغير ذي اعتبار فقد أصبح مثقلا بإسقاطات جمة نقلته إلى مجال الأوضاع المدنية،
6
ولئن أبدى مفهوم الثورة فعالية في تفسير تاريخ المدنية، فسوف يبدي فعالية أكثر في موطنه الأصيل، أي في تفسير تاريخ العلم.
والواقع أن التقدم المتسارع للعلم في القرن العشرين يجعل من النظرية الثورية لتقدم العلم، والتي هي الضد الصريح لنظرية التراكم الكمي، والتعديل الحق للقول بالتطور العادي، إنما هي النظرة التي يفرضها منطق العلم ذاته - منطق الكيان المطرد التقدم ذي الثورات الحقيقية في تاريخ البشر.
وفي العقود الأخيرة أصبح مفهوم «الثورة» شبه معتمد في فلسفة العلم وكثير الشيوع كأداة قوية لتفسير طبيعة التقدم العلمي والخطوات الجذرية التي يقطعها العلم.
وها هنا تبرز الريادة البوبرية مجددا؛ إذ إنه في طليعة الذين أكدوا تأكيدا لا يخلو من تطرف على «الثورة»، وعلى أن التقدم العلمي لا يعرف تراكما البتة، بل هو سلسلة متوالية من الثورات. وما دام كل تقدم يقوم على تكذيب الفرض السابق، فهو إذن ثورة عليه، وإنهاء لدورته وبدء دورة جديدة. وكما لاحظنا لا يعنى بوبر بالفروق النوعية بين الفرض والقانون والنظرية، الكل قضايا علمية تختلف فقط في درجة العمومية والقابلية للتكذيب، والكل سائر في طريق التقدم المطرد ... طريق الثورة/الدورة.
يرافق بوبر في هذا التصور الثوري المتطرف جاستون باشلار
G. Bechelard (1884-1962م) شيخ فلاسفة العلم في فرنسا وواحد من أهم فلاسفة القرن العشرين. في عام 1934م صدر كتاب بوبر الأول في طبعته الألمانية «منطق البحث العلمي»، وصدر أيضا كتاب جاستون باشلار «الفكر العلمي الجديد»، كلاهما حاول تثوير التقدم العلمي بطريقته. لم ينعكس مفهوم «الثورة» حقا على فلسفة العلم انعكاسا قويا إلا لاحقا في الثلث الأخير من القرن العشرين.