تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى أية حال، فإنه في العقود الأخيرة انصرف هم جمع من فلاسفة العلم - خصوصا بول فييرآبند - في محاولة تحديد المفهوم الجديد المعاصر للعقلانية العلمية. وعبر مناقشات مقنعة وتحليلات دقيقة ينتهي لاري لوضان إلى ضرورة أن نخطو خطوة ثورية انقلابية، ونجعل العقلانية متعلقة بإمكانية التقدم، بل ومتطفلة عليها، والاختيار العقلاني هو الاختيار التقدمي.

3

والجدير حقا بالذكر أن لاري لوضان يفلسف العلم على أساس تعريف محدد له، وهو أنه نشاط تقدمي لحل المشكلات. وبالتالي تغدو النظرية الجديدة أكثر تقدما؛ لأنها أكفأ في حل مشكلات، وليس لأنها أقرب إلى الصدق أو أكثر قابلية للتكذيب ... إلخ. وحتى إذا سلمنا بهذا، فما دمنا لا نأخذ بالاتجاه الأداتي، ونرى النظرية العلمية ملتزمة إزاء العالم التجريبي الواقعي الذي نحيا فيه، فإن مشكلة التقدم تزداد إلحاحا وتغدو مرتكز المعالجة المنطقية لبنية النظرية العلمية؛ فثمة محك ماثل هو العالم التجريبي، ولكي تثبت النظرية أنها أكثر تقدما، عليها إثبات أنها أكثر تمثلا وتمثيلا له، وفاعلية في التعامل معه ومواجهة وقائعه التجريبية. وفي كل حال، ومن أي منظور، نجد مشكلة التقدم العلمي تفرض نفسها على فلاسفة العلم؛ لأنها أيضا مشكلة العلاقة بين النظريات المتعاقبة في السياق العلمي.

وأول سؤال يفرض نفسه: ما هي طبيعة التقدم العلمي؟ بأي منوال يسير ويتواتر؟ وكيف يمكن تفسيره؟ في الإجابة على هذا يعطينا بوليكاروف أربعة آراء تجمل ردود فلاسفة العلم،

4

وهي: (أ)

تتعاقب الأحداث بغير اطراد عام، وبالتالي لا يمكن تفسير طبيعة التقدم العلمي، يمكن فقط رصده ووصفه. وهذا تصور نفر من الوضعيين المنطقيين المتطرفين، وهو تصور سلبي بمثابة امتناع عن التصويت وعن وضع فلسفة للتقدم العلمي. (ب)

تقدم العلم يتم كسلسلة من التحولات أو الثورات، التي تحدث أحيانا بغير رابطة داخلية، وعبر انفصالات جذرية وقطائع في صيرورة التقدم العلمي. وهذه هي النظرة الثورية الأحدث التي توصف بأنها راديكالية. (ج)

وكنقيض للرأي السابق نجد الرأي «التراكمي» الذي يؤكد على استمرارية المعرفة العلمية، وأنها خط صاعد متصل يمثل تقدمها اتصالا متناميا. وهذا هو رأي الاستقرائيين جميعا ومؤرخي العلم الكلاسيكيين، أمثال جورج سارتون وكارل بيرسون، أخذ به أيضا إرنست ماخ وبيير دوهيم.

وجملة القول أننا إزاء نظرتين لطبيعة التقدم العلمي: الأولى هي النظرة التراكمية الاتصالية، وهي شديدة الاتساق مع العلم الكلاسيكي النيوتوني. والثانية هي النظرية الثورية الانفصالية المتسقة مع تقدم العلم في القرن العشرين - بعد ثورة النسبية والكوانتم. على أن ثمة نظرة رابعة آتية تحاول الجمع بينهما، وهي: (د)

التصور الجدلي «الديالكتيكي» لهيجل وماركس وإنجلز وأشياعهم. وتبعا له يؤدي التقدم الكمي التدريجي، أي «التراكمي» إلى قفزات كيفية أو «ثورية» تصبح بدورها نقطة البدء لتراكم كمي جديد، يؤدي عند نقطة معينة إلى قفزة كيفية ... وهكذا، وفقا لقانون «الكم والكيف» الجدلي، أي الذي ينتقل عبر مراحل الجدل الثلاث: (1) القضية، ثم (2) نقيضها، ثم (3) المركب الذي يجمع خير ما فيهما ويتجاوزهما إلى الأفضل، ويصبح المركب بدوره - في مرحلة أعلى من الجدل - قضية تنقلب إلى نقيضها ... وهلم جرا ... وعلى الرغم من النقد العنيف، بل الرفض الحاد الذي يلقاه الجدل من قبل نفر من فلاسفة العلم على رأسهم كارل بوبر، فإننا نرى في التصور الجدلي لطبيعة التقدم العلمي وسيلة ناجحة للربط بين التصورين التراكمي والثوري في مركب متسق لمن شاء الاستفادة من التصورات الثلاثة، التراكمية والثورية والجدلية معا في كل متآزر. ويمكن أن ننظر فيما بعد إلى فلسفة توماس كون بهذا المنظور؛ فهي جدلية تجمع بين التصورين، التراكمي والثوري.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢٠٣