ولأن كل فعل له رد فعل مساو، فإن استبداد الوضعية المنطقية أثار روح التمرد والعصيان والثورة عليها، وتعرضت لموجات نقد كثيرة من داخل فلسفة العلم ومن خارجها. وكان نقد كارل بوبر بلا مراء هو الأقوى والأكثر حسما وفاعلية وتبيانا لتهافت الطرح الوضعي الذي يحل إلى الأبد وببساطة يحسد عليها كل القضايا الفلسفية والمنهجية المرتبطة بطبيعة المعرفة العلمية،
1
وبنفس البساطة والاستبداد أزاحوا الأبعاد الميتافيزيقية والمنظورات التاريخية على السواء من فلسفة العلم.
وعلى الرغم من أن مشكلة تمييز المعرفة العلمية - كما رأينا - كانت ملازمة لفلسفة العلم منذ بواكير إرهاصاتها مع فرنسيس بيكون، إلا أن فيلسوف العلم الروسي شفيريف يقول إن الرفض الحاد لهذا الطرح الوضعي هو الذي فرض بشدة أكثر من كل ما سبق مسائل معايير العلم وتمييز المعرفة العلمية عن الفلسفة وعن المعرفة الاعتيادية والدين، والصلة في العلم بين العناصر الفلسفية والأنطولوجية وبين النظرية والتجربة. وكل هذه القضايا يطرحها أولا وقبل كل شيء التطور الفعلي عبر التاريخ للثقافة والإنتاج المادي والروحي، والتعاظم المتزايد لدور العلم في المجتمع. ذلك أن شفيريف في عرضه البارع الذي لا يتوقف عند أشخاص، بل يتعقب صيرورة الفكر الفلسفي العلمي، قد أوضح أن نقد الوضعية المنطقية بصفة عامة هو الذي أثار إشكاليات استدعت التناول التاريخي للظاهرة العلمية، حين استلزمت تمييز المعرفة العلمية بشدة. وسمة المثالية التي تضفي على المعرفة العلمية قد تكون كافية لمنهج العلم، لكنها لا تكفي لتمييز العلم عن الأشكال الأخرى للوعي.
2
هذا التمييز يتطلب بالضرورة النظر إلى العلم في حركيته وتناميه، ما يستدعي النظر إليه في الواقع الاجتماعي المتطور عبر التاريخ، بعبارة موجزة، نقول: إن تمييز المعرفة العلمية من منطلق نقد الوضعية المنطقية هو الذي يضع فلسفة العلم على مشارف الوعي بتاريخ العلم.
ثانيا: ثورية التقدم ومشارف الوعي التاريخي
وهكذا، فلأن كارل بوبر انطلق من نقد الوضعية المنطقية حتى لقبوه بالمعارض الرسمي، كان محور فلسفته مشكلة تمييز العلم في حركيته وتقدمه، عن طريق معيار القابلية للتكذيب، وكان بوبر بهذا رائدا شق الطريق الجديد لفلسفة العلم الذي سيؤدي إلى استيعاب الوعي التاريخي. وهذا بدوره سوف يطرح أمام فلسفة العلم في القرن الحادي والعشرين آفاقا مستقبلية مستجدة تماما. وإذا كانت نهاية القرن العشرين تكشف عن كارل بوبر بوصفه أعظم فلاسفة العلم في النصف الثاني منه، خرجت من رحابه الاتجاهات الأساسية اللاحقة، فلنتذكر أنه كان منذ البداية رائدا عملاقا شق عصا الطاعة على الوضعية المنطقية التي كانت مهيمنة وسائدة، وقاد انقلابا، بل ثورة زلزلت عروشهم وعصفت بسلطانهم؛ لتصنع ملامح التطور التالية في فلسفة العلم. وكما رأينا، كانت خلايا الثورة البوبرية عديدة مديدة، وزوايا هجومه عليهم كثيرة مكينة. لكن نتوقف الآن مجددا عند المنطلق المحوري ألا وهو انتقال بوبر بفلسفة العلم من منطق التبرير إلى منطق الكشف ... منطق التقدم المستمر.
صوب بوبر الأنظار إلى أن التقدم المطرد خاصة أساسية من خصائص المعرفة العلمية، وصاغ هذا في معالجته البارعة لمنطق العلم المرتكزة على التكذيب، ومنذ كارل بوبر فصاعدا بات الكثيرون يرون أن فلسفة العلم في جوهرها هي فلسفة التقدم، وهذا اتجاه لا نملك إلا أن نشايعه؛ لأن التقدمية هي فعلا صلب طبيعة العلم.
أجل، التقدمية وليس العقلانية! فهذه الأخيرة - أي العقلانية العلمية - تعرضت لتغيرات عاصفة، وظل مفهومها يتبدل مع الانقلابات الثورية وأشكال القطع المعرفي التي شهدها العلم في القرن العشرين، حتى كادت تلك العقلانية العلمية أن تفقد مدلولها المألوف. وفي نهايات القرن أصبح مصطلح «النظرة العقلانية» في فلسفة العلم بشكل عام يرادف النظرة الإبستمولوجية الكلاسيكية، أي الداخلية التي تنظر إلى نمو المعرفة العلمية فقط في حد ذاتها في سياق النسق العلمي. وهذا لتتمايز عن النظرة إلى العلم ونموه من الخارج في إطار تفاعلاته الاجتماعية والحضارية والعوامل المختلفة عن العقل العلمي الخالص، وهي النظرة التي سوف نرى كيف أضيفت مؤخرا إلى فلسفة العلم.