تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

H. Feigl

أكد تأكيدا على أن المدارس التي تعنى بتاريخ العلم لا علاقة لها بفلسفة العلم. واهتمت ماري برودبك

M. Brodbeck

اهتماما خاصا بفصل فلسفة العلم عن دراسة العوامل الأخرى الاجتماعية أو النفسية أو سواها الضرورية ليتنامى البحث العلمي، واعتبرتها نوعا من البحث العلمي في العلم منفصلا تماما عن فلسفة العلم. واشترك فيجل وماري برودبك في تحرير كتاب هام يحمل هذه الدعاوى وساهم فيه كبار المتخصصين؛ وهو كتاب «قراءات في فلسفة العلم 1953م». وعلى هذا انتهوا إلى أن اعتبار العلم ظاهرة تاريخية والعناية بأبعادها الاجتماعية قد يكون انشغالا بالعلم، لكنه ليس البتة فلسفة للعلم، طالما أنه ليس لغة بعدية معنية بالتحليل المنطقي لهيكل القضايا العلمية دون مضمونها! هذه العناية بالقضايا العلمية فقط كمعطى منطقي هي ذاتها فلسفة العلم المنفصلة عن تاريخه، والتي تجعله غير ذي صلة بالموضوع.

هكذا حصرت الوضعية المنطقية فلسفة العلم في تقنيات المنطق الصوري وأساليبه وقطعت كل علاقة بالعلم في تعينه الواقعي المتدفق النابض بالحياة في مجرى التاريخ وسياق الحضارة الإنسانية.

إذن فمع اعتبار كل العوامل الأخرى والمقدمات السابقة، إلا أنه يمكننا الحكم بأن فلسفة الوضعية المنطقية بالذات هي المسئولة مسئولية مباشرة عن السمة اللاتاريخية، بل الضد تاريخية التي اتسمت بها فلسفة العلم حتى النصف الثاني من القرن العشرين.

وكما انتهينا آنفا، لا شك أن الوضعية المنطقية قامت بدور كبير في توطيد أسس النظرة العلمية، وتعبيد الطرق الاحترافية لفلسفة العلم بخلاف أفضالهم الجليلة في مجال المنطق الرياضي. والواقع أن عصر البرمجيات الراهن وعلم الذكاء الاصطناعي أسفر أخيرا عن أهمية وقيمة التحليلات المنطقية للقضايا والمفاهيم العلمية. ولا شك أيضا - وإطلاقا - في أن التحليلات المنطقية أداة فعالة من أدوات فلسفة العلم المتعددة، لكن الوضعية المنطقية كانت فلسفة علمية تجريبية متطرفة تطرفا يعمي البصر والبصيرة. وحين قصرت فلسفة العلم - بل الفلسفة بأسرها - على محض تحليلات منطقية للقضايا العلمية، جردوا الفلسفة من آفاقها الرحيبة وأبعادها المترامية التي تجعلها فلسفة، وشنوا حملتهم الشعواء على ربيبتها المدللة: الميتافيزيقا التي تحتل أبعد نقطة عن معطياتهم الإمبيريقية ومعيارهم للتحقق التجريبي .

لقد نزعوا إلى نسق علمي فوق هامات كل الأبنية الحضارية، بل وعلى أشلائها، لا سيما أشلاء الميتافيزيقا، نزوعا منهم إلى تجريبية مطلقة لا ترتبط بسواها، فأمعنوا في تنزيه فلسفة العلم من التوجهات الاجتماعية وفي إنكار الدور الذي يلعبه تاريخ العلم في تمكيننا من فهم ظاهرة العلم فهما أعمق وأشمل، وأكدوا أن المعايير المنطقية وليست التاريخية هي التي تحدد وتحكم فلسفة العلم التي يجب أن تولي ظهرها لتاريخ العلم اكتفاء بالمعطى الراهن منه. ورأوا التجربة قادرة على تفسير كل شيء، ويجب أن يرتد إليها كل شيء، حتى إنها بمثابة المعطى النهائي والبديهي. وحين ترتفع التجربة إلى مستوى بديهيات المنطق، فإنها تكاد تلامس حدود المطلق الذي يعلو على الزمان والمكان، ودع عنك التاريخ! وكانت الوضعية المنطقية فلسفة متطرفة متعصبة، مارست نوعا من الإرهاب الفكري في أجواء فلسفة العلم، فمن لا يكتفي بتحليلاتهم المنطقية هو المتخلف الغارق في سدم الأوهام المعيارية، أو السادر في الشطحات الميتافيزيقية.

هكذا بدا سدنة الوضعية المنطقية في عكوفهم على تبرير المعرفة العلمية وكأنهم حراس الكهنوت العلمي، وتباروا في إقامة السدود المنيعة بين فلسفة العلم وتاريخه. ونظرا لسطوة الوضعية المنطقية وهيلمانها على أجواء فلسفة العلم، سادها هذا الموقف اللاتاريخي، المحاط بسياج مكينة، هي المواقف الحدية للوضعية المنطقية وتطرفها الذي بات مضرب الأمثال للموقف الفكري المستبد.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢٠١