تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كلا العالمين ماخ ودوهيم عند نقطة الالتقاء بين القرنين التاسع عشر والعشرين، وتوفيا عام 1916م، وما زالت النزعة الاستقرائية قوية باتجاهها التجريبي المتطرف المعني بتبرير المعرفة العلمية. وهذا التبرير يستقي - مرة أخرى وأخيرة - من العلاقة بين المعطيات أو الوقائع التجريبية وبين النظرية العلمية أو القانون العلمي. أما العلاقة بين الأفكار فلم يعترف جون ستيوارت مل وخلفاؤه الاستقرائيون بأية قيمة لها، فكان تعاقب الأفكار أو النظريات عبر تاريخ العلم غير ذي اعتبار.

ثم تكلفت الوضعية المنطقية بمد هذا التوجه وتكريسه وتسييده حتى أواسط القرن العشرين. ولئن دأبت فلسفة العلم الوضعية الاستقرائية، أي التجريبية المتطرفة، في القرن التاسع عشر على إهمال أو تهميش تاريخ العلم واعتباره مسألة ثانوية جانبية، فإن فلسفة الوضعية المنطقية في القرن العشرين لم تكتف بالإهمال أو التهميش، بل خطت خطوة أبعد وشنت حربا ضروس على أبعاد الوعي التاريخي، حربا ضد التاريخية.

ولا غرو، فالوضعية المنطقية فلسفة تكثفت فيها كل خطوط التجريبية المتطرفة، وكانت في واقع الأمر أمينة لميراث القرن التاسع عشر كما تمثل في النزعة الاستقرائية، وحاول الوضعيون المنطقيون استغلال قدراتهم المنطقية المكينة وتمكنهم من تطورات العلم لتأكيد هذا الميراث في بنية القرن العشرين، وفاقوا الجميع في الافتتان بالنسق العلمي في حد ذاته؛ فقصروا فلسفة العلم، بل الفلسفة بأسرها، على محض التحليل المنطقي للعبارات والمفاهيم العلمية في أقوى وأعنف تكريس لمنطق تبرير المعرفة العلمية، مصرين على أن هذا هو الثورة التقدمية، التي تقيل الفلسفة من تعثرها عبر تاريخها الطويل بين رحى مشكلات زائفة.

كانت نشأة الوضعية المنطقية متزامنة مع مبدأ هيزنبرج وثورة الكوانتم الثانية. عايش فلاسفتها إذن فورة للتقدم العلمي وإحدى انقلاباته العظمى وتسارع اكتشافاته بقوة، ولم ينل هذا من تكريسهم لمنطق التبرير السكوني، مؤكدين أنه لا منطق للكشف العلمي. والتقدم العلمي في منظورهم أحداث متعاقبة، يمكن فقط وصفه وتبريره. نمو المعرفة العلمية عملية تراكمية متصلة متدفقة بسلاسة، حيث الوقائع الإمبيريقية التي تكتشفها عمليات الملاحظة والتجريب تؤدي إلى الجديد وتلزم بتنقيح الفروض أو تعديلها، فتنضاف إلى معرفتنا بالعالم المتنامية دوما، والسياق النظري لهذا يتضمن عملية الرد، أي رد كل العلوم إلى الفيزياء مما يفضي في النهاية إلى وحدة العلم. وكما أشرنا يستند هذا على التسليم بالواقعية المحدثة، بمعنى أنه ليس هناك إلا عالم واحد ووحيد، نحاول الكشف عنه بواسطة العلم التجريبي لا سواه. ودور الفلسفة يقتصر على تحليل العبارات والمفاهيم العلمية لتوضيحها وكشف ما بها من لبس وغموض، وحين يبحث فيلسوف العلم النظرية العلمية، فإنه لا يعنى طبعا بمضمونها الذي هو عمل العلماء وحدهم، بل يهتم فيلسوف العلم بتحليل بنية النظرية العلمية، أي خصائصها الصورية العامة، وخصائص التفسيرات الممكنة لها وما قد يشتق منها مستقبلا.

وقد استغل الوضعيون المناطقة التمييز الذي وضعه المنطقي البولندي المتميز ألفرد تارسكي بين اللغتين الشيئية والبعدية، قائلين: إنه إذا كانت عبارات العلم لغة شيئية أو موضوعية

Object Language

منصبة على الشيء أو الموضوع نفسه، فإن عبارات فلسفة العلم لغة بعدية

Meta-Language

تأتي بعد عبارات العلم كتحليل منطقي لها. ومثلما نادوا بأن كل قضية تركيبية لا ترتد إلى معطيات الحواس ولا تقبل التحقق التجريبي تعد لغوا يخلو من المعنى وليس لها أية قيمة معرفية، نادوا أيضا بأن كل ما ليس لغة بعدية لا يعد من فلسفة العلم في شيء. وعن طريق شهر سلاح اللغة البعدية أزاحوا المنظورات التاريخية للعلم تماما، حتى إن الوضعي المنطقي هربرت فيجل

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢٠٠