تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في القرن التاسع عشر علا نجم جون ستيوارت مل الاستقرائي الكبير، وطغى على جهود وليم هيوول فتوارت فلسفته الثاقبة للعلم الملتفتة إلى دور العقل الإنساني في خلق قصة العلم، والقائمة على الوعي بتاريخ العلم. وبفضل سيادة النزعة الاستقرائية توارت بالمثل الاتجاهات التي أدركت أهمية تاريخ العلم بالنسبة لفلسفته. وجاء القرن العشرون ليجد الاستقرائية بمثابة التعبير الرسمي عن فلسفة العلم لتغدو غير ذات صلة بتاريخه.

ولا يختلف هذا عما حدث في الردح الأول من القرن العشرين، حين كانت الوضعية المنطقية والأداتية هما القطبان الكبيران لفلسفة العلم. إن الإنسان يتميز بأنه الكائن الوحيد الذي يصنع تاريخا، والنظرة الإنسانية التي تنطلق من دور الإنسان هي الأكثر إدراكا لأهمية البعد التاريخي. هكذا كانت الأداتية - خصوصا الاصطلاحية - على عكس الوضعية المنطقية؛ تؤكد فعالية العقل الإنساني بإزاء الطبيعة ودوره في خلق قصة العلم، وبالتالي لم تفتقد تماما الوعي بتاريخ العلم. لكن مرة أخرى، سادت النزعة اللاتاريخية، وها هنا بفضل سيادة الوضعية المنطقية، ولا غرو فهي امتداد للاستقرائية.

هذا على الرغم من أن الرائد إرنست ماخ كان مهتما بتاريخ العلم، وأراد من العروض التاريخية أن تضفي مزيدا من التأكيد والمصداقية على نظريته الفلسفية في منطق العلم. كتابه «علم الميكانيكا 1883م» مثلا هو محاولة لإعادة كتابة تاريخ الميكانيكا بطريقة تعرض المبادئ المنطقية والإجراءات التي تشيد على أساسها الميكانيكا، بحيث يؤكد هذا نظرية ماخ في أن المعرفة العلمية ترتد فقط إلى المعطيات الحسية لا سواها. فأوضح أن أصول علم الميكانيكا انطلقت من خبرات الحرف اليدوية والاحتياج للربط بين هذه الخبرات. وكما رأينا، كان ماخ رائدا عظيما من رواد التجريبية الحادة، استفادت منه الأداتية والوضعية المنطقية، كلتاهما. وفي هذا وذاك عد البعد التاريخي عنده مسألة ثانوية أو جانبية.

وكان بيير دوهيم، الرائد الفعلي للاصطلاحية والأداتية، أكثر اهتماما بتاريخ العلم، وله أبحاث مستفيضة فيه، خصوصا تاريخ الميكانيكا والفلك والفيزياء. اعتقد أن المعرفة بتاريخ المفهوم العلمي أو المشكلة العلمية تفضي إلى فهم أعمق، وأن كل عالم لا بد وأن يضطلع بتاريخ مبحثه ليس كهواية، وإنما كجزء جوهري من عمله، وأهم أعمال دوهيم في تاريخ العلم هي «تطور الميكانيكا 1903م»، و«أصول الإستاتيكا 1905م»، ثم كتابه «ليوناردو دافنشي 1913م» في ثلاثة أجزاء يحاول أن يؤكد فيها أن العلم الحديث تطور عادي ونتيجة طبيعية للعلم في عصر النهضة، فلا قطائع ولا انفصالات في تاريخ العلم. وكان عمل دوهيم الأكبر والواقع في اثني عشر جزءا هو «نظام العالم»، ويغطي تطور الفلك منذ ما قبل السقراطيين حتى جاليليو. وحين توفي دوهيم كان قد أنجز عشرة أجزاء فقط. ومن ناحية أخرى، فإن دوهيم كاثوليكي متدين جدا، إن لم نقل متعصب، على الرغم من الأجواء العلمانية الحادة المحيطة به، وأراد من تأريخاته للعلم أن يعيد الاعتبار للمرحلة الكاثوليكية من التاريخ الأوروبي، مرحلة العصور الوسطى. وبعد أن أفرط عصر التنوير بنزعته العلمانية في إدانتها، وسار التيار العقلاني في إثره على منوال النظر إليها كعقبة في سياق التقدم العلمي ومرحلة مظلمة في تاريخ العلم، أراد دوهيم مواجهة النظرة المعتمدة لتاريخ العلم في أوروبا بوصفه انتهى مع الإغريق وبدأ مع كوبرنيقوس؛ ليعاد تقدير مرحلة العصور الوسطى. وكانت وسيلته لهذا الاستمساك بأن تاريخ العلم استمرار ونماء متصل، وبالتالي لا ثورة في العلم الحديث، بل هو استمرار وتطور لعلم العصور الوسطى.

لم يرض هذا النعرة الأوروبية ولا أوساطها العلمية المشبعة بالعلمانية والتي تسلم بإدانة المرحلة الوسطى الكاثوليكية؛ لذلك لم يرحب المجتمع العلمي بتأريخات بيير دوهيم، ورحب أكثر بفلسفته الاصطلاحية للعلم التي قدمت تبريرا قويا للمعرفة العلمية بصرف النظر عن الأبعاد التاريخية. واندرج دوهيم في صفوف فلاسفة العلم بهذه البطاقة الاصطلاحية، ولم يبد زملاؤه من الاصطلاحيين وسائر الأداتيين - خصوصا الإجرائيين - مثل هذا الاهتمام بتاريخ العلم، فتوارى أكثر وأكثر عن مجال فلسفة العلم من بعد دوهيم.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٩٩