ومن الناحية الأخرى ليس مطلوبا أيضا عزل العلوم الإنسانية عن واقعها الحضاري، ومتطلباته وأهدافه، ولا خضوع أو تكريس له بزعم الحياد العلمي، أو ثورة عليه لمجرد الشغب والفوضى والرفض تحت اسم العلم المجيد. على هذا يمكن التأكيد أنه ليس منشودا البتة - ولا حتى متصورا - اجتثاث الأصول والجذور الحضارية للمشروع العلمي في المباحث الإنسانية. إن السياق الحضاري والثقافي والقيمي رافد لها، إن لم يكن منبعا، وهو ذاته صلب موضوعها ومسرح ظواهرها، لكن إثراء السياق الحضاري وإثراء العلوم الإنسانية، وحل مشكلتها ومشاكل عديدة له يتطلب التفاعل المثمر السليم بينهما، ويشترط هذا أن يكون كل في موقعه لأداء دوره، ولا يقتحم حدودا مميزة للآخر وخاصة به.
وكما حرصنا على تحقيق هدف مؤداه ألا تقتحم البنيات الحضارية والأيديولوجيات المشروع العلمي، فإننا نحرص أيضا على ألا يقتحم منطق العلم البنى الحضارية والمشاريع الأيديولوجية. ومنطق العلم لا يملك حكما، لا قبولا ولا رفضا، لمشروع حضاري معين أو بنية أيديولوجية دون سواها. معنى هذا أنه لا خوف إطلاقا على عناصر هويتنا وقيمنا ومنطلقاتنا من صرامة منطق العلم ومعيار التكذيب، فإن المنابع الأيديولوجية في حد ذاتها محتمية بحدودها، حتى ولو كانت مصدرا لفرض علمي، فإن الفرض هو فقط وفي حد ذاته الذي يخضع للاختبار التجريبي، فيتم تكذيبه أو تعديله أو تعزيزه، أما المصادر الحضارية الكبرى، فلا علاقة لمنطق العلم ومعاييره بها.
وأخيرا، ليس في هذا إنشاء خطة عمل مستحدثة أو برنامج مستجد للعلوم الإنسانية، أو أمثال هذه التصورات الهوجاء. كل ما في الأمر محاولة للخروج من واقع العلم الراهن بالأسس المنطقية المتجهة صوب الإمكانيات المستقبلية، لكي تتلاقى شعاب التوجهات الواعدة في العلوم الإنسانية على محك موضوعي معتمد، توسلا إلى الأمل المفتقد إلى حد ما في العلوم الإنسانية، والمتحقق بأجلى صورة في العلوم الطبيعية، أي الاتفاق على معيار مشترك يصون أهداف العلم ويرسم نحوها حدودا واضحة، يتلاقى داخلها الرأي والرأي الآخر؛ لأن الاتفاق بين العلماء هو السبيل إلى الإحاطة بالظواهر الإنسانية، وصفا وتفسيرا، ومن ثم تنبؤا وتحكما وسيطرة.
والواقع أن تبرير كل هذا وتسويغه إنما هو في حقيقة تنامي اقتفاء العلوم الإنسانية لمنطق العلم، وتدفق أبحاثها وفق الفروض القادرة على الخضوع لإجراءات منهجية دقيقة، فيها يتردد كثيرا مصطلح الاختبار والقابلية للاختبار، ولولا هذا الواقع الواعد وحصائله المتنامية كما وكيفا لما كان ثمة جدوى لتوضيح سبل التقنين المنطقي الأدق. إن منطق العلم تجريد للقوالب الصورية المتضمنة لتدفقات واقعه المنهجي، فيزداد الطريق وضوحا ويزداد التقدم صعودا.
تلك هي مهمة منطق التقدم العلمي.
الفصل السابع
| فلسفة العلم والوعي بتاريخ العلم
أولا: فلسفة للعلم لا تاريخية
كان انتقال فلسفة العلم في القرن العشرين من منطق التبرير إلى منطق التقدم ذا نتائج ومحصلات جمة، لا تقتصر على الإسهام في حل هذه المشكلة أو تلك، ولكي نستطيع استشراف الآفاق المستقبلية الواسعة لهذا الانتقال، يجمل بنا أن نبدأ بإلقاء نظرة شاملة على حصاد كل ما سبق في الفصول الستة المتتالية، فنضع النقاط على الحروف. والسير في هذا الاتجاه سيبين لنا أن تأثير كارل بوبر على فلسفة العلم في القرن العشرين لا يقتصر على خصوبة أفكار طرحها، بل تجسد تأثيره أكثر في أبواب معبرة عن مراحل انقضت من تطور العقل العلمي في القرن العشرين «الاستقرائية والوضعية» رأيناها قد أغلقت بفضل غير منكور لبوبر، والأهم في آفاق مستقبلية سوف تنفتح أمام فلسفة العلم، أيضا بفضل غير منكور لبوبر.
ومنذ البداية كان المستهل في الفصل الأول - بل الصفحة الأولى - بالإشارة إلى العلاقة الواهية بين العلم وتاريخه، والعلاقة التي كانت متوترة، بل شبه منقطعة بين فلسفة العلم وتاريخ العلم. على مدار الفصول السابقة، نشأت فلسفة العلم وتنامت وهي تولي ظهرها لتاريخ العلم، ولا تعتد كثيرا بدوره في تفهم الظاهرة العلمية، واقتصرت على النظر إلى النسق العلمي من الداخل؛ لتتمثل فلسفة العلم في منهجه ومنطقه بغض النظر عن تاريخه. فكما اتضح، كانت فلسفة العلم معنية بتبرير المعرفة العلمية كمحصلة جاهزة ومعطاة، استند التبرير أساسا على إحكام العلاقة بين الوقائع التجريبية والقانون العلمي أو النظرية العلمية. وتصدرت النزعة الاستقرائية الميدان بوصفها أقوى صياغة لهذه العلاقة القادرة على تبرير المعرفة العلمية وتمييزها. وفي إطار منطق التبرير اللاتاريخي تنامت فلسفة العلم.