تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والخلاصة أن تناقض التفسيرات في العلوم الإنسانية ومعها قصور الممارسات سواء أغرقت في التنظير أو أفرطت في التجريب ترتد إلى تأثير العوامل الخارجية المذكورة التي تجعل المشروع العلمي يمتزج ويتشابك مع أمور ليست علمية ولا تهدف إلى أهداف العلم، فيتعرقل مساره نحو التفسير المتكامل وتتباطأ معدلات التقدم. وعلى هذا يبدو أن الطريق نحو حل مشكلة العلوم الإنسانية يتطلب التمييز بين ما هو علمي وما هو لا علمي يتعلق بأيديولوجيا أو فلسفة أو عرف أو رأي شائع بحيث تكون حدود العلم واضحة لا تسمح بتسلل كل ما هو لا علمي.

عدنا إذا إلى المشكلة الأم لفلسفة العلم، أي تمييز المعرفة العلمية، وأنضج حل لها وهو معيار القابلية للاختبار التجريبي والتكذيب الخاصة المنطقية المميزة. ومن الواضح أن هذا المعيار يطرح أمام العلوم الإنسانية محكا حاسما لتحديد ما هو علمي إخباري ويحول دون تسرب الأيديولوجيات والإسقاطات التقويمية وأحكام الحس المشترك ... وكل ما هو لا علمي ينجم عن اقتحامه بنية العلم افتقاد الإحكام في المشروع العلمي وافتقاره للتقنين المنطقي. والواقع أن هذا المعيار لا يعدو أن يكون الصياغة المنطقية الصورية المقننة الدقيقة للسمة التجريبية التي هي العلاقة المسئولة مع الواقع والتآزر الحميم بين العقل والممارسة المعملية أو بين التنظير والتجريب. وكان نضج العلوم الإنسانية ونموها راجعا إلى أنها وجدت أساليبها التجريبية الإمبيريقية وأحكمتها، ويبقى أن مضاعفة درجة التقدم وتجاوز التخلف النسبي سوف يعتمد على التقنين المنطقي الأدق والأشمل لهذه التجريبية، خصوصا أن التكالب عليها أدى إلى تدفق سيل من التعميمات التجريبية بغير أن تؤسس حصيلة مثمرة. في ذلك الانفلاق الضار بين التنظير والتجريب، وتلك السمة التجريبية، أي القابلية للاختبار والتكذيب تطرح أمام العلوم الإنسانية محكا لضبط التجريب وتوجيهه نحو فروض محددة، مما يداني بين التنظير والتجريب.

والأخذ بهذا المعيار لا يشترط قبلا إلا إمكانية العلم بالظواهر الإنسانية والاجتماعية، وأنها ليست قائمة في ملكوت السموات ولا في عالم الغيب، بل هي قائمة في عالم الشهادة الذي نحيا فيه. وأثبت منطق العلم التجريبي أنه أصدق من يأتينا بخبر عنه، وأكفأ من يقوم بمحاولة وصفه وتفسيره في سلسلة متوالية كل حلقة أنجح من سابقتها وأكثر تقدما. ولا ينطوي هذا البتة على رد العلوم الإنسانية إلى العلوم الطبيعية. فنحن بإزاء إبستمولوجيا العلم الراهنة وآفاقها المستقبلية، بينما كان المشروع الردي في إطار الإبستمولوجيا الكلاسيكية وتفسيرها الميكانيكي للكون الذي أضحى أثرا بعد عين. ثم كانت محاولة إحياء المشروع الردي في إطار العلم الموحد أو لغة العلم التي عكف الوضعيون المنطقيون على بنائها، وكلاهما انتهينا منه فيما سبق، وليس ثمة نموذج مفروض ولا وصاية على علم ولا وحدة حديدية للعلوم تردها جميعا إلى الفيزياء، بل فقط الاستفادة من الأسس الصورية لمنطق التقدم في العلوم التجريبية، كما هي متمثلة على أكمل وجه في الفيزياء، ويمكن أن تقترب منها سائر العلوم بدرجات متفاوتة، وحين تقترب منها العلوم الإنسانية لن تتسرب العناصر الأخرى للإطار الحضاري والسياق الثقافي إلى المشروع العلمي بسهولة؛ لأنها لا تستطيع اجتياز المواجهة مع الواقع التجريبي التي يتطلبها اختبار التكذيب، ولا من المطلوب منها أصلا أن تجتاز هذا الاختبار، طالما أنه ليس مطلوبا منها القيام بمهام العلم والإخبار عن الواقع التجريبي، بل المطلوب منها مهام حضارية أخرى هامة. فليس العلم كل شيء ولا حتى أهم شيء، لكنه بالتأكيد شيء هام جدا، ومن الأفضل أن يشق طريقه ويؤدي مهامه الدقيقة على الوجه المنشود، وتلتزم البنيات الثقافية الأخرى موقعها في السباق الحضاري.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٩٧