وبالعود إلى فلسفة العلم نجدها عن طريق الاختزال المنطقي تستطيع رد كل حيثيات أو أسباب مشكلة العلوم الإنسانية إلى عاملين أساسيين، هما: أولا: نوعية الظاهرة الإنسانية، وثانيا: طبيعة العلاقة بين الباحث وموضوع بحثه حين دراستها. وتفاعل هذين العاملين معا ينجم عنه افتقاد البحث العلمي للحدود المحكمة، أي افتقار العلوم الإنسانية إلى التقنين المنطقي الدقيق مما يجعل حدودها مستباحة، ومن هنا تأتي عوامل تعثر المرحلة التفسيرية.
إن المحتوى المعرفي للعلوم الطبيعية ينصب على ظواهر محايدة لخلوها من الوعي والإرادة، فيمكن للإطار الثقافي والسياق الحضاري أن يرفع يده تماما، وحين رفض هذا - كما حدث حين فرضية مركزية الشمس لكوبرنيقوس أو التطور لدارون - انهزم السياق الثقافي تحت القوة المنطقية للنظرية العلمية، حتى إن درجة التقدم التي أحرزتها العلوم الطبيعية الآن جلبت لها استقلالا معرفيا تاما، وأصبح السياق الثقافي لا يجرؤ على التدخل في صوغ فروضها أو عناصر نظرياتها، أي في محتواها المعرفي، ويقتصر فقط على التفاعل مع حصائلها التطبيقية وتكنولوجياتها. مثلا يتدخل السياق الحضاري لمناقشة استضافة الجنين في رحم آخر، أو نقل الأعضاء، أو الاستنساخ، أو التحكم في الصفات الوراثية للجنين، أو إنتاج القنبلة الهيدروجينية ... هل هذه التطبيقات مشروعة أم لا؟ مطلوبة أم غير مطلوبة؟ كيف يمكن توجيهها؟ ... إلخ. ولكن لا يتدخل في منطوق النظرية العلمية ذاتها أو يحاول استبدال فرض تفسيري بآخر مضمونه أقرب إلى ما يريد السياق الثقافي، أي إنه يتعامل مع العلوم الطبيعية من الخارج فقط، ولا يحدث خلطا منطقيا في محتواها المعرفي من الداخل.
وهكذا تجري العلوم الطبيعية في طرق حددت معالمها ممارسات عريقة وراسخة متفق عليها. فتسير عبر تخوم واضحة وتصاغ فروضها وقوانينها ونظرياتها في حدود منطقية مقننة بدقة، فقدر لها أن يتوالى تقدمها، واستقلت تماما عن الأوضاع والمؤثرات الخارجية.
أما بالنسبة للعلوم الإنسانية فالأمر يختلف، وافتقارها للإحكام المنطقي يجعل البدائل الأخرى تتدخل في مناقشة منطوق النظريات ذاتها، ويمكن للحس المشترك ببساطة أن يعارض مضمون نتيجة بحوث شاقة وطويلة أسفرت عن الأثر السيئ لضرب الأطفال مثلا أو تزويج الفتيات القاصرات، والمثل يحدث من قبل البدائل الحضارية الأخرى كالأعراف والتقاليد والفلسفات والمنحى السياسي وتوجهات الطبقة السائدة، وما تبثه وسائل الإعلام والإعلان والمصالح القومية وفي النهاية الأيديولوجيا ... كلها تنافس العلوم الإنسانية في صلب حلبتها وصميم مفاهيمها وتصوراتها ومنطوق نظرياتها وتتبرع بالتفسيرات التي تميل إليها للظواهر الإنسانية والاجتماعية؛ لتنافس التفسيرات العلمية أو تستوعبها أو توجهها وتؤثر عليها. وفي النهاية لا نظفر بتفسيرات علمية متكاملة للظواهر الإنسانية.
إن تكامل التفسيرات الطبيعية يتمخض فعليا وإجرائيا في التساوق والتآزر بين النظرية والتجربة، الأولى ترسم للثانية خطاها وتحدد أطرها، والثانية تحمل اختبارات الأولى ومحكاتها وشواهدها، وأيضا مواطن كذبها وضرورة تعديلها أو حتى رفضها، وسرعان ما يستجيب المنظرون، كما حدث مثلا حين أثبتت تجرية ميكلسون/مورلي كذب الأثير. وفي المقابل نجد تناقض التفسيرات الإنسانية يرتد في الانفلاق الذي تشهده العلوم الإنسانية بين اتجاهات التنظير واتجاهات التجريب، مما يساهم في تباطؤ معدلات التقدم. والجدير بالذكر أنه في الثلث الأول من القرن العشرين ساد علم الاجتماع، بتأثير من المدرسة الأمريكية - خصوصا مدرسة شيكاغو - انكباب محموم على التجريب وعزوف عن التنظير ربما على سبيل التمثل الأكثر لروح العلم. وسرعان ما أثبتت التجريبية المحضة عقمها وقصورها. ولعل سيادة البنيوية في المرحلة التالية من مسار علم الاجتماع في القرن العشرين بمثابة رد فعل عكسي لهذا. وتعتمد البنيوية التجريد غير الرياضي لأقصى حد ممكن في بحثها الدءوب عن الهيكل الثابت. والمحصلة أن تزايد فيما بعد إحساس الباحثين بالبون الذي أخذ يتسع بين التنظير والتجريب، بحيث كادت منهجيات علم الاجتماع أن تنفلق إلى شقين، أحدهما غارق في النظرية والآخر منغمس تماما في رصد الوقائع التجريبية، والحال يشبه هذا في علم الاقتصاد. أما في علم النفس فيبز السلوكيون جميع باحثي العلوم الإنسانية في انكبابهم على التجريب وعزوفهم عن التنظير، حتى عن مناقشة النظرية السلوكية ذاتها، ربما كرد فعل عكسي على ما كان من إفراط التحليليين المضجر بشأن الصروح النظرية الشاهقة والسحيقة التي ابتدعها خيال فرويد وأودعها في دياجير مفترضة للنفس الإنسانية. مرة أخرى وأخيرة نشير إلى علم النفس المعرفي كوسط ذهبي يحمل آفاقا تقدمية بتدارك هذا الانفلاق.