تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس يعني هذا إنكار قيمة ما أنجزته العلوم الإنسانية في محاولاتها المحدودة النجاح للتفسير، أو في محاولاتها الناجحة تماما للوصف. وليس الوصف أمرا يسيرا أو هينا أو مجرد مرحلة تمهيدية، بل إن الوصف بمثابة اكتشاف

Discovery

للظاهرة؛ لأنه عملية تعيين واختبار علاقات أكثر أو أقل عمومية بين خواص الظاهرة موضوع البحث، وهو اكتشاف؛ لأن هذه العلاقات لم تكن معروفة قبل الوصف العلمي الذي كشف عنها.

26

لكن التفسير يتجاوز الوصف فيستعين به ويضيف إليه القوانين أو النظريات كي يحقق هدفه فيمثل التقدم الحقيقي للعلم. وبينما تتكامل التفسيرات في العلوم الطبيعية أو يتجاوز بعضها البعض في متصل التقدم الصاعد أو على أقصى الفروض يميل تفسير إلى التأكيد على زاوية دون الأخرى؛ نجد التفسيرات في العلوم الإنسانية تتناقض وقد تبلغ حد العداء الصريح، وتعجز عن التكامل والإحاطة بالظاهرة، وبالتالي تحقيق نصيبها المأمول من التقدم العلمي.

والسؤال الآن: لماذا تتناقض التفسيرات؟ أو لماذا تعجز العلوم الإنسانية عن خوض المرحلة التفسيرية باقتدار ونجاح؟ لعل الإجابة على هذا هي نفسها تحديد حيثيات مشكلة العلوم الإنسانية أو أسباب تخلفها النسبي.

وقد قيل الكثير في هذا الأمر الذي أصبح مألوفا بقدر ما هو عجيب؛ لأن مسائل العلوم الإنسانية كانت منذ الأزمنة البعيدة موضع الاهتمام الأكبر وتستقطب أعاظم العقول، فكان تناولها أكثر نضجا من تناول مسائل العلوم الطبيعية، وأبسط مقارنة بين دساتير أرسطو وبين فيزيائه أو بين تناول أفلاطون وفلاسفة الإسلام لمسائل الأخلاق والمجتمع والسياسة وبين تناولهم لمسائل الكواكب والمعادن تبين هذا. ولعل الفروق النوعية للظواهر الإنسانية وما تختص به من مثاليات غائية وإسقاطات حميمة هي التي جعلتها موضع الاهتمام الأكبر في الأزمنة القديمة، وهي نفسها التي جعلتها عصية إلى حد ما على مثاليات العلم الحديث، ومتعثرة في محاولات التفسير العلمي. تدور كثير من محاولات تحديد أسباب التخلف النسبي حول خصائص تتميز بها الظاهرة الإنسانية دونا عن الطبيعية، هذا من قبيل صعوبة التكميم واستخدام ألفاظ كيفية، وبالتالي صعوبة صياغة قوانين دقيقة، وأن الباحث جزء لا يتجزأ من الظاهرة التي يبحثها؛ فلا بد وأن يشعر تجاهها بميول وأهواء معينة تفرضها البيئة الثقافية والحضارية التي ينتمي إليها. نفس الظاهرة (تعدد الزوجات مثلا) تبحث في بيئة على أنها عرف محمود وفي بيئة أخرى كعرف مذموم، وفي بيئة ثالثة كجريمة يعاقب عليها القانون، فيؤدي هذا إلى إضفاء الأحكام الخلقية والإسقاطات التقييمية على موضوع البحث. ثمة قيم الباحث التي تؤثر على أحكامه، بل ومجرد رصده للوقائع وثمة القيم الموجهة لموضوع البحث ذاته، لن يتعامل الباحث مع العينة في حالة دراسته لظاهرة الدعارة نفس تعامله مع العينة حين دراسة الإبداع العلمي مثلا ...

هناك أيضا تعقد الظواهر الإنسانية وتعدد أبعادها بخلاف الظواهر الطبيعية، فثمة جانب جواني للحياة النفسية وآخر براني وهما غير متطابقين دائما، فضلا عن عامل الحرية الإنسانية الذي يمكن أن يمس من فكرة القانون العلمي ذاته ويجعله خاضعا للأهداف والأغراض البعيدة. ولعل أشهر الصعوبات هو ما يسمى بتفرد

uniqueness

الظاهرة الإنسانية، حتى إن محاولة التجريد والتعميم وإسقاط خصوصية الظاهرة قد ينطوي على تشويه لطبيعتها. ويتصل بهذا التغير السهل السريع للظواهر الإنسانية الذي يجعل الاطراد في مجالها أقل ظهورا، وصعوبة تكرارها

27 ... وكل هذا يجعل صياغتها في قانون تحتاج لعدد كبير من المتغيرات يبعد بها عن أن تكون دالة بسيطة كقوانين الطبيعة.

ويمكن أن نضيف إلى هذا معوقات البحوث الإنسانية لا سيما في البلاد المتخلفة، من قبيل ضعف التمويل نتيجة التشكيك في جدواها وحصائلها التطبيقية مقارنة بالعلوم الطبيعية، والانبهار بالآلة عنوان التقدم لحد اعتبار الدراسات الإنسانية ترفا يمكن بل يجب تأجيله! وانعدام التخطيط والتساوق بين هيئات البحث، وثمة نظام التعليم وإعداد كوادر الباحثين الذي يركز على باحثي العلوم الطبيعية ويخصهم بالقروض والمنح والبعثات والمراكز، دونا عن باحثي العلوم الإنسانية، فتستأثر الأولى بالطلبة النابهين؛ على أن تلك المعوقات تخرج عن مجال فلسفة العلم وتندرج تحت سوسيولوجية العلم أو عوامله الاجتماعية.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٩٥