تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فتوصل بوبر إلى أن معيار القابلية للتكذيب

Falsifiability Criterion

هو ما يميز العلم دونا عن أي نشاط عقلي آخر. الخضوع المستمر للاختبار وإمكانية التفنيد بالأدلة التجريبية هي الخاصة المنطقية المميزة للقضية العلمية دونا عن أية قضية تركيبية أخرى، عبارات العلم التجريبي هي فقط التي يمكن إثبات كذبها؛ لأنها تتحدث عن الواقع الذي يمكن الرجوع إليه ومقارنتها به، لذلك فهي في موقف حرج حساس، فنجد نظرية بوبر في منهج العلم تؤكد على مطلب الجرأة، فالجرأة هي التي تمكن من اقتحام المجهول، واكتشاف الجديد. الحقيقة ليست ظاهرة، بل تكمن خلف ما يبدو لنا من العالم، وما يفعله العالم العظيم هو أن يخمن بجرأة ويحدس بإقدام كيف تكون هذه الحقائق الداخلية الخفية. ويمكن أن تقاس درجة الجرأة بقياس مدى البعد بين العالم البادي وبين الحقيقة المفترضة حدسا. أرسطارخوس وكوبرنيقوس عالمان عظيمان؛ لأنهما افترضا أن الشمس هي مركز الكون، في حين أن المظهر البادي يقول إنها قابعة في سماء الأرض.

غير أن ثمة نوعا آخر من الجرأة لا يتعمق، بل هو متعلق بالمظاهر البادية: إنه جرأة التنبؤ، جرأة المواجهة المسبقة المسئولة مع الواقع. هذا النوع من الجرأة هو الأهم وهو ما يميز الفرض العلمي بالذات. الفرض الميتافيزيقي يمكنه أن يحقق الجرأة بالمعنى الأول، يمكنه أن يحدس الحقيقة الكامنة التي لا تبدو للعيان، لكن لا يمكنه أن يحقق الجرأة بالمعنى الثاني. لا يمكن للفرض الميتافيزيقي الخروج بمشتقات أو التنبؤ بوقائع تجريبية تحدث أمامنا في العالم التجريبي وقابلة للملاحظة. إنه لو فعل هذا لتعرض لمخاطرة كبيرة، مخاطرة الاختبار والتفنيد، مخاطرة التصادم مع الخبرة. إنها مخاطرة لا يقوى عليها إلا العلم. لذلك نكتشف كل يوم أخطاء بعض من نظرياته، فنتركها ونصل إلى الأفضل.

بفضل إمكانية التكذيب كان العلم التجريبي هو البحث المطرد التقدم، فإمكانية تكذيب العبارات العلمية هي قابليتها الشديدة للنقد والمراجعة لأن تترك وتحل محلها عبارات أفضل ... من هنا كان رفض بوبر لنظرية التراكم في تفسير طبيعة التقدم العلمي والأخذ بالنظرة المضادة لها - أي الثورية - ومن هنا أيضا رأى بوبر أن تكون الجرأة من النوع الثاني، والبعد المنهجي الذي يطابقها، أي الاستعداد للبحث عن الاختبارات والتفنيدات هي ما يميز العلم التجريبي. البعد المنطقي والبعد المنهجي هما وجها عملة التكذيب الواحدة؛ حيث إن القابلية للتكذيب هي ذاتها القابلية للاختبار

Testability ، الاختبار التجريبي بالطبع.

والقابلية للاختبار قد ترتبط بالقابلية للتحقق، ولكن الخاصة المنطقية المميزة للعبارة العلمية هي إمكانية التكذيب، أي التفنيد والنفي، وليس مجرد التحقق، مثلا العبارة «السماء ستمطر غدا» عبارة علمية؛ لأنها قابلة للاختبار التجريبي بمجيء الغد، وقد تمطر السماء، أي قد نتحقق منها، ولكن ليس هذا هو المناط في علميتها، بل المناط في إمكانية ألا تمطر السماء غدا، إمكانية تكذيبها. وبالبحث عن التكذيب وليس التحقق يمكن استبعاد عبارات مثل «غدا قد تمطر السماء أو لا تمطر»، وهي واجبة الاستبعاد؛ لأنها لا تعطينا محتوى إخباريا، فهي تحصيل حاصل، وحينما يأتي الغد فأيا كانت الخبرة الحسية، فسوف نتحقق منها، ولكن تكذيبها مستحيل، فنستطيع الحكم بأنها لا علمية. هكذا يمكننا معيار القابلية للتكذيب من استبعاد تحصيلات الحاصل المتنكرة في هيئة إخبارية، وهي واضحة متجلية في الفروض الميتافيزيقية الموغلة في غياهب العقل الخالص، وأيضا في الفكر الثيولوجي «الإلهيات»، وهما نمطان من التفكير غير قابلين للتكذيب، لا أصلا ولا فروعا، ولا مطلوب منهما هذا، فهما ليسا علما تجريبيا.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٨٨