ليست النظريات العلمية حقائق نكتشفها في الواقع عن طريق الاستقراء، بل هي منجزات إنسانية كسائر مكونات العالم 3، وتماثل في نشأتها الأعمال الفنية. ولم يعد ممكنا وجود منطق ومنهج لعملية الخلق في العلوم أكثر من إمكانية وجوده في الفنون. «وكعبقرية خلاقة يقف جاليليو ونيوتن وآينشتين على قدم المساواة مع مايكل أنجلو وشكسبير وبيتهوفن».
20
دور المنهج فقط في اختبار الفرض ذاته وتحديد مصيره ومسيره في طريق التقدم المستمر.
وأخيرا ... سبق أن انتهى الفصل الثالث بإيضاح عام لمعالم التقدم الذي أحرزته فلسفة العلم ذاتها في القرن العشرين، حين استوعبت آفاق ثورة الفيزياء الكبرى وانتقلت نظريتها المنهجية من البدء بالملاحظة إلى البدء بالفرض، أي حين انتقلت إلى المنهج الفرضي الاستنباطي وتجاوزت الاستقرائية بكل قصوراتها التي فرضتها ظروف حضارية وحدود معرفية سابقة. والآن نرجو أن تكون معالم هذا التقدم المنهجي قد استبينت أكثر، واستبين أيضا الدور الكبير الذي قام به كارل بوبر في هذا الانتقال، الذي كان بمثابة انتقال من منطق التبرير إلى منطق التقدم.
رابعا: معيار القابلية للتكذيب
كان الاستقراء منهجيا لتبرير وأيضا تمييز المعرفة العلمية، وتم تجاوز النزعة الاستقرائية. حاول الوضعيون المنطقيون تداركها بمعاييرهم لتمييز العلم التي يصعب قبولها بسبب تطرفهم الحاد. وبوبر نفسه في طليعة الرافضين لمعيار التحقق، وأيضا لغة العلم. وإذا سلمنا بأن النظريات العلمية ليس مجرد أداة، بل ذات دلالة إخبارية، فلا بد وأن نسأل بوبر ما هو معيار العلم الذي يضمن أن العبارة علمية، أي ذات محتوى معرفي ومضمون إخباري عن العالم التجريبي، فيميز العلم عن سواه من ضروب الأنشطة العقلية ، خصوصا وأن المنهج - منهج المحاولة والخطأ - في جوهره ليس تقنية خاصة بذوي الاحتراف، بل هو صورة متبلورة متطورة للشكل النمطي للتعامل الإيجابي الفعال مع العالم الواقعي، ولا يميز العلم.
معيار القابلية للاختبار التجريبي والتكذيب هو الذي يميز العلم، وهو أول أطروحات بوبر الفلسفية، وظل دائما محور فلسفته للعلم ومركزها، ويمكن أن نلاحظ هذا في ثنايا العرض السابق لنظريته المنهجية. والواقع أن هذا المعيار إنجاز بوبر الحقيقي، ومن أخطر أطروحات فلسفة العلم في القرن العشرين وأقوى معابرها إلى منطق التقدم. لقد رأينا أن معيار تمييز العلم مهمة محورية لفلسفة العلم منذ نشأتها، وكان هكذا أيضا لفلسفة بوبر منذ نشأتها، فيقول:
بدأ عملي في فلسفة العلم منذ خريف 1919م، حينما كان أول صراع لي مع المشكلة: متى تصنف النظرية على أنها علمية؟ أو هل هناك معيار يحدد الطبيعة أو المنزلة العلمية لنظرية ما؟ لم تكن المسألة التي أقلقتني آنذاك متى تكون النظرية صادقة؟ ولا متى تكون مقبولة؟ كانت مشكلتي شيئا مخالفا، إذا أردت أن أميز بين العلم والعلم الزائف
Pseudo-Science ، وأنا على تمام الإدراك أن العلم يخطئ كثيرا، والعلم الزائف قد يحدث أن تزل قدمه فوق الحقيقة.
21
يمعن بوبر في الانفلاق عن الاستقرائية والوضعية، ولا يريد معياره تطويرا أو تعديلا أو حتى بديلا لتلك المعايير، ويصر على منطلق منفصل ومستقل تماما عن ذلك المسار التبريري، فيقول إن أجواء فيينا في صدر شبابه هي التي جعلت مشكلة التمييز تلح على عقله، فقد كان جو يسيطر عليه سقوط الإمبراطورية النمساوية، وامتلأ بأفكار وشعارات ثورية ونظريات جديدة ثار حولها الكثير من الجدل والصخب. وبينما لم تكن المنزلة العلمية للنظرية النسبية قد ثبتت بعد، كان الإعجاب شائعا بعلمية النظرية الماركسية، وأيضا التحليل النفسي لفرويد وعلم النفس الفردي لآدلر وهما نمساويان، بدت هذه النظريات وكأنها قادرة على تفسير كل شيء يحدث في مجالاتها ولا بد أن تجد حالات ووقائع تؤكدها في كل مكان، وامتلأت الدنيا بإثباتات لها حتى بدا أن المنكرين قوم لا يريدون أن يروا صدقها الجلي، إما لأنه ضد مصالحهم الطبقية أو بسبب عقد مكبوتة لديهم. وفي ذلك الوقت - خريف 1919م - كان بوبر ضمن طلبة يدرسون نتائج بعثة إدنجتون التي رأيناها امتحانا عسيرا للنظرية النسبية وقامت بتصوير النجوم إبان كسوف الشمس، وتوقع الجميع نتائج مخالفة للنظرية النسبية التي كان من الممكن أن تبدو غير متوافقة مع نتائج معينة محتملة للملاحظة، أي إنها كانت قابلة للتكذيب، لكن النظرية النسبية اجتازت هذا الاختبار العسير، وثبتت منزلتها العلمية، واجتازت اختبارات تجريبية متوالية.