تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبالطبع ثمة فارق بين القابلية للتكذيب

Falsifiability

وبين التكذيب

Falsification . وليس يعني المعيار التثبت بالفعل من كذب كل عبارة علمية وتفنيدها! كلا بالطبع، فهذه كارثة محققة، وإلا فما هو علمنا اليوم؟! إنه نسق العبارات القابلة للتكذيب والتي لم يتم تكذيبها بعد، فالمعيار هو القابلية للتكذيب من حيث المبدأ، من حيث القوة بمصطلحات أرسطو، أن نتثبت من أن إمكانية التكذيب قائمة في النظرية؛ لأن النظرية كاذبة بالفعل. إن القابلية للتكذيب مجرد معيار يحدد الخاصة العلمية للنظرية، أما التكذيب فهو حكم عليها، تقييم نهائي لها، رفض، وبالتالي تجاوزها، وإحراز خطوة تقدمية أبعد، قابلة بدورها للتكذيب، ويتم تكذيبها يوما ما بفرض أبعد قابل للتكذيب ... وهلم جرا في مسيرة العلم المطردة التقدم.

ولما كانت القابلية للتكذيب هي ذاتها القابلية للاختبار، كانت محاولة تكذيب النظرية هي ذاتها اختبار النظرية، وهذا الاختبار يفضي إما إلى التكذيب، وإما إلى التعزيز

Corroboration ، على النحو التالي:

التكذيب:

نحكم به على النظرية إذا لم تكن نتيجة الاختبار في صالحها، أي إذا تناقضت النتائج المستنبطة منها مع الوقائع التجريبية؛ لأن تكذيب النتائج تكذيب للنظرية ذاتها، فتستبعد من نسق العلم، رغم أنها علمية، لكننا وضعنا الإصبع على مواطن خطأ أو كذب، فيمكن تلافيه فيما سيحل محلها، فيكون أكثر اقترابا من الصدق، وأغزر في المحتوى المعرفي وفي القوة التفسيرية ... لذلك فكل تكذيب ظفر علمي جديد، وليس خسارة كما قد يبدو للنظرة العابرة.

التعزيز:

إذا تجاوزت النظرية الاختبار، والتعزيز هو جواز مرور الفرض إلى النسق العلمي، المرور من اختبارات منهج العلم القاسية، وكلما كانت الاختبارات أقسى كلما حازت النظرية التي تجتازها على درجة تعزيز أعلى، وكانت أعظم - أي أغزر في المحتوى المعرفي، وأجرأ في القوة التفسيرية ... لذلك يؤكد بوبر دائما على قسوة الاختبارات، حتى لا تستطيع النظرية أن تعزز وتعبر إلى نسق العلم بسهولة. إن التعزيز هو النتيجة الإيجابية لكل ممارسة منهجية ناجحة، فالنجاح يعني التوصل إلى فرض جديد يحل المشكلة بكفاءة أعلى من سابقه.

أما الذي يجعل القابلية للاختبار والتكذيب خاصة منطقية مميزة للقضية العلمية ومعيارا قادرا على تمييز العلم التجريبي؛ فذلك لأنها ترسو على أسس تجريبية هي العبارات الأساسية

basic statements ، وهي عبارات تجريبية مفردة لها الصورة المنطقية للعبارات الوجودية المحددة التي تقرر وجود أشياء معينة متصفة بصفة معينة في زمان معين ومكان معين، مثلا مؤشرات الأجهزة المعملية في وقت معين. إن العبارة الأساسية تشير علانية لموضوع مادي يمكن ملاحظته، ويمكن مباشرة إقرار العبارة أو إنكارها، على أنها صادقة أو كاذبة.

أما العبارات الوجودية غير المحددة مثل «هناك س في مكان ما من زمان ما» فهي تبعا لمعيار القابلية للتكذيب ليست علما؛ ذلك لأنها لا يمكن أن تخبر بشيء ما، ما لم ننسب إليها الشروط التي تحددها - أي التي تجعلها وجودية محددة. وهذه العبارات تمثل عمود التكذيب الفقري ودماءه، وهي التي خولت له إمكانياته في منطق العلم التجريبي.

فلنفترض أننا فتتنا العالم التجريبي على طريقة برتراند رسل إلى أقصى درجة ممكنة، أي إلى عدد لا نهائي من الأحداث

events ، كل حدث واقع في آن معين من الزمان ونقطة معينة من المكان، جماع هذه الأحداث هو العالم التجريبي، ولنضع لكل حدث جملة تنقله - بتعبير رسل جملة ذرية. هذه الجمل الذرية وارتباطاتها معا هي فئة «العبارات الأساسية»، إنها جميع العبارات الخصوصية الوجودية الممكن تصورها عن الواقع؛ لذلك ستحتوي الفئة على عبارات كثيرة ليس بينها توافق؛ إذ إنها تعبر عن كل الوقائع التجريبية الممكنة، أي التي قد تحدث وقد لا تحدث.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٨٩