تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكن كان الاستقراء ذا خطوات تبدأ بالملاحظة وتنتهي إلى الفرض العلمي، بينما لم يفض بنا منهج بوبر إلى طريق محدد للكشف العلمي، إلى ذات اللحظة التي تخلق فيها النظرية خلقا. أجل الخطوة «أ أ» تعني طرح فرض جديد، لكنها لم توضح كيف ولا من أين نأتي به.

الواقع أن مثل هذا التوضيح مستحيل، وليس هناك منهج للوصول إلى الأفكار الجديدة، لا استقراء الوقائع ولا غيره، وبالنظر إلى المنهج العلمي من هذه الزاوية نكون في عرف بوبر نتحدث هراء يخلو من المعنى، يقول بوبر:

إذا حاول أحد أن يفكر في منهج علمي يقوده إلى النجاح فلا بد أن يصاب بخيبة أمل، ليس هناك طريق ملكي للنجاح، وأيضا إذا حاول أحد أن يفكر في منهج علمي كطريق لتبرير النظريات العلمية فسيصاب أيضا بخيبة أمل، النظريات العلمية لا يمكن أن تبرر، إنها فقط تنقد وتختبر.

17

لقد اتضح الآن كيف أطاح بوبر بمنطق التبرير وأحل محله منطق التقدم، وفي هذا ليس المنهج العلمي طريقا للكشف، بل هو منطق للعلم، ولا يرسم طريق الوصول إلى النظرية - كما حاول الاستقراء أن يفعل - بل يرسم أسلوب التعامل مع الفرض وكيفية اختباره والتحكم في نتائج الاختبار. نظرية المنهج تبدأ من الفرض، أما ما قبله وأفضى إليه فليس من اختصاص الإبستمولوجيا والميثودولوجيا، بل من اختصاص علم النفس التجريبي الذي يدرس ظاهرة الإبداع.

الكشف العلمي ليس عملية آلية، بل عملية خلق وإبداع، والعبقرية الخلاقة بمثابة العنصر الفاعل، فلا يمكن الوصول إلى الفرض عن طريق خطوات منهجية محددة، بل عن طريق الإلمام بالحصيلة المعرفية السابقة، ثم قدح ذهن العالم ليتوصل إلى حل للمشكلة المطروحة للبحث، وهذا الحل حدس لا تنبته إلا الموهبة العلمية والعبقرية الخلاقة في انشغالها العميق بالمشكلة. هكذا نجد كل كشف علمي يحوي عنصرا إبداعيا حدسيا قائما على الحب العقلاني لموضوع البحث. ليس هذا رأيا لبوبر أو غيره، بل هو الأمر الواقع، يقرر العلماء أنفسهم أنهم توصلوا إلى النظريات العلمية بالعديد من الطرق المختلفة وليس بأي منهج محدد، قد تظهر النظرية كومضة إلهام في حالات الحلم أو ما يشبه الحلم، قد تومض في الذهن فجأة، وقد تهبط رويدا كضياء الفجر، تشرق النظرية العلمية في الذهن كما يشرق أي إبداع إنساني آخر. قد لا يوافق البعض على هذا؛ لأن الإبداع العلمي يعتمد على كم هائل من المعارف التخصصية الدقيقة لا بد أن يكتسبها العالم، والبحث ذاته نشاط تركيبي عظيم بحيث أصبح لا يستغني عن الكومبيوتر، ويتطلب العمل الشاق والصبر العظيم والشجاعة النفسية التي تدفع إلى بذل العمر والاضطلاع لمشكلة بالغة الصعوبة، وإذا فشل الجهد وراح هباء ليس ثمة تعويض.

18

ولكن مع التسليم بكل هذا تظل العبقرية المبدعة الخلاقة هي العامل الحاسم.

من هنا يرى بوبر مماثلة بين روح العلم وروح الفن شاعت في فلسفة العلم في العقود الأخيرة من القرن العشرين. وعمل جاستون شلار بالذات على أن يفلسف العلم والفن معا من نفس المنطلقات القيمية. حقا الخلق العلمي ليس حرا كالخلق الفني؛ لأن العالم عليه الصمود أمام الاختبارات التجريبية والالتزام بشهادة الواقع والوقائع، إلا أن محاولة فهم العالم مهمة مفتوحة أمام عالم يتمتع بمواهب خلاقة، فيكون خلقه أو إبداعه العلمي إلهاما خطر برأسه، كما أن الخلق الفني وحي وإلهام خطر برأس الفنان الموهوب. عالم الفن من خلق الإنسان، جميع الأعمال الفنية صنعها الإنسان الفنان، وكذلك عالم العلم من خلق الإنسان، وجميع النظريات العلمية مخلوقات من صنع الإنسان العالم، يخلقها ثم يحاول فرضها على العالم لتفسره، فهي «شباك يحاول بها اصطياد الواقع التجريبي، والجهود مستمرة دائما لجعل ثقوبها أضيق وأضيق».

19

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٨٦