المهم أن التفكير العلمي هو ذاته التفكير النقدي، ربما يصنع العلم أساطير، لكن الأساطير تظل ثابتة على حالها دائما بسبب التفكير الدوجماطيقي، أما الاتجاه النقدي للعلم فيغير الأساطير في اتجاه التقدم والاقتراب الأكثر من الصدق؛ لأن النقد يحذف الخطأ ويقلل دوما نطاقه، وكما يقول بوبر: ليس التعاقب بين المرحلتين زمانيا أو حادا قاطعا، فكل إنسان - حتى العالم نفسه - يعيش في إسار توقعاته وجهازه المعرفي بقدر من الدوجماطيقية ولا يخرج منها إلا حينما يحاول النقد واستبعاد الخطأ، كما أن العلاقة بين المرحلتين تبادلية، فإذا كانت المرحلة النقدية ضرورية للمرحلة الدوجماطيقية كي تقيها شر هلاك محتوم، فإن المرحلة النقدية أيضا في حاجة إلى قدر من الدوجماطيقية حتى في البحث العلمي ذاته. فالعالم - أثناء اختبار نظريته - لا بد أن يستمسك بها استمساكا دوجماطيقيا إلى حد ما، فلا يتخلى عنها بسهولة، كما أن الدفاع عنها في مواجهة النقد من شأنه أن يطورها ويحسنها في معركتها من أجل البقاء.
ولعلنا لاحظنا أن منهج تطور العلم ذاته يماثل إلى حد كبير ما أسماه دارون بالانتخاب الطبيعي، إنه الانتخاب الطبيعي بين الفروض. العلم يتكون دائما من تلك الفروض التي أوضحت ملاءمتها في حل المشاكل وصمودها أمام النقد، إنها الفروض التي ناضلت للبقاء حتى الوقت الراهن، كما أنها استبعدت تلك الفروض الأضعف منها، أو التي حاول واضعوها أن يعدلوها ويكيفوها، فلم يكن تكييفا مطابقا للمطلوب، وحكمت عليها الفروض الأقوى بالفناء، وبوبر في هذا تطوري داروني وليس لاماركيا.
ذلك أن ثمة نظريتين لتفسير التطور البيولوجي، الأولى هي نظرية العالم الفرنسي جان لامارك
J. Lamarck (1744-1829م) التي ترجع التغيرات البيولوجية إلى تأثيرات البيئة وتجعل دور الكائن الحي سلبيا، فقط يتلقى هذه المؤثرات وإلا حكمت عليه البيئة بالفناء والهلاك. والنظرية الثانية هي نظرية دارون التي ترجع التغيرات البيولوجية إلى فعالية الكائن الحي وقدرته على التكيف مع البيئة فيكون البقاء للأصلح في عملية الانتخاب الطبيعي التي تعني أن الأنواع الأقوى القادرة على الفتك بمنافسيها هي التي تبقى وتحكم بالفناء على الأنواع الأضعف، كما حكمت الفروض العلمية القوية على الفروض الضعيفة بالفناء.
وبوبر يفسر التقدم العلمي بكلمة واحدة هي النقد؛ لأن النقد يبرز ثورية التقدم العلمي، الكشف الجديد تكذيب للفرض المطروح، إنه يحطم ويبدل مجسدا الإيجابية الداروينية، ويلح بوبر على قسوة النقد للفروض والنظريات العلمية، على وعورة محاولات الاختبار التجريبي والتكذيب؛ لأنها تماثل وعورة الظروف البيئية التي تؤدي بالكائن الحي إلى مزيد من التكيف والتحدي، من التطور والارتقاء، أما الاستقرائية فهي اللاماركية، تفسر التقدم العلمي بتراكم النظريات والمعلومات، تراكم تأثيرات البيئة، كمخزن بضائع أو مكتبة نامية باستمرار.
هكذا كان بوبر داروينيا في تفسيره لتطور النظريات العلمية ومنطق تقدمها، وهو أيضا داروني في تفسيره لموقف العالم وطرحه لفروضه، بينما الاستقرائيون لاماركيون في هذا وذاك، إنهم يجعلون دور العالم سلبيا يتلقى وقائع التجريب التي تمليها الطبيعة، فيعممها في فرض علمي. أما بوبر فيجعل للعالم دورا إيجابيا في طرح الفرض وخلق قصة العلم، كما جعل دارون للكائن الحي دورا إيجابيا في خلق قصة الحياة وتطوراتها. إننا لا نعرف - كما يؤكد بوبر - من خلال معطيات البيئة، بل من خلال تحديها ومحاولة فرض تصوراتنا عليها، وكما قدر للداروينية الانتصار وانزوت نظرية لامارك في تاريخ العلم، قدر للبوبرية الانتصار، وفي نهايات القرن العشرين أصبحت النزعة الاستقرائية مرحلة منتهية من مراحل تطور فلسفة العلم، ولم يعد لها نصير.