تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الصياغة «م1 - ح ح - أ أ - م2» تجعل نمو المعرفة العلمية يسير من المشاكل القديمة إلى المشاكل الجديدة، بواسطة الافتراضات الحدسية وتكذيباتها، بواسطة التعديلات والتكييفات المستمرة للموقف الراهن، والحلول المطروحة لمشاكله، مما يجعل تطور العلم زجزاجيا متعرجا وليس خطا مستقيما، إنه منهج التصحيح الذاتي، أي الذي يجعل العلم يصحح نفسه بنفسه تصحيحا مستمرا استمرارية البحث العلمي، طالما أن النظريات كلها مجرد حدوس افتراضية، تتفاوت في درجة اقترابها من الصدق، وأن العالم حتى لو توصل جدلا إلى نظرية صادقة، فلا هذا المنهج - ولا أي منهج آخر - يتمكن من تبرير صدق النظرية العلمية، وكيف نبحث عن تبرير الصدق ونحن عالمون أن النظرية قد تجتاز كافة اختبارات النقد والتكذيب، فقط لأن العلم لم يتوصل بعد إلى الاختبار الحاسم لها، أي القانون المفند، والباحث لا يفضل النظرية فقط لأنها الأقرب إلى الصدق، ولكن أيضا لأنها محتملة الكذب، إنها موضوع شيق لاختبارات أكثر، أي محاولات تكذيب، وتكذيب أي نظرية علمية يشكل مشكلة لكل نظرية جديدة؛ إذ إن عليها أن تنجح فيما نجحت فيه سابقتها، وفيما فشلت فيه أيضا، فهذا المنهج يعني الترابط المتسلسل بين النظريات، بحيث تكون كل نظرية أقرب إلى الصدق من سابقتها.

على ضوء ما سبق، يمكن أن تراعى التقاليد الميثودولوجية، فنستخلص من نظرية بوبر المنهجية، الخطوات الآتية للمنهج العلمي: (1)

المشكلة «وهي عادة تفنيد لنظرية موجودة». (2)

الحل المقترح «أي نظرية جديدة». (3)

استنباط القضايا القابلة للاختبار من النظرية الجديدة. (4)

الاختبار، أي محاولة التفنيد بواسطة الملاحظة والتجريب، من ضمن وسائط أخرى. (5)

الأخذ بأفضل الحلول، أي النظرية الأفضل من بين مجموعة النظريات المقترحة المتنافسة.

والعالم حينما يدرس موقف مشكلة، فهو بهذا يحاول مواصلة مسار طويل يستند على كل حصيلة البشر، البدء من الصفر استحالة، وإن أمكن فإن حياة العالم لن تسفر عن تقدم أكثر مما أحرزه آدم، أو بعبارة علمية: أكثر مما أحرزه إنسان نياندرتال. وهذه واقعة يرفض كثيرون من ذوي المنعطفات الجذرية والمستقلة في حياتهم أن يقبلوها. في العلم يجب أن نحرز تقدما وهذا يعني أننا نقف على أكتاف الأجيال السابقة . العالم معقد لدرجة كبيرة، ونحن لا نعرف من أين ولا كيف نبدأ تحليله، إننا نعرف فقط من أين وكيف بدأت المحاولات السابقة، وأنها محاولات إقامة بناء العالم خلال إطار معين، وهي أطر لم تكن محكمة كثيرا. نحن نحاول أن نجعلها أكثر إحكاما بأن نطورها، فنستبدل بها محاولات أقرب إلى الصدق، والمحاولات مستمرة على صورة تلك الصياغة في طريق التقدم المستمر.

المعرفة، في هذا المسار الطويل والبادئ منذ إنسان نياندرتال حتى اليوم، تمر بمرحلتين، هما مرحلة التفكير الدوجماطيقي القبل علمي ومرحلة التفكير النقدي «العلمي».

مرحلة التفكير الدوجماطيقي أي القطعي الجامد الجازم تتمثل في الحضارات البدائية «السابقة على حضارة الإغريق» بتعبير بوبر! فهو يجهل تماما الميراث المشرقي العظيم وكل ما هو خارج حدوده الغربية التي صنعت العلم الحديث! على العموم الحضارات مهما كانت بدائية لها موقف معرفي يتمثل في تفسير العالم بواسطة الأساطير والخرافات، والتمسك بها يكون قطعيا صارما حيث يعتبر الشك أو النقد جريمة، بعبارة أخرى لا تمارس الخطوة «أ أ» لا تستبعد الخطأ، وبالتالي لا تخرج بجديد «م2»، وطالما أنه لا تغيير للاعتقاد الخاطئ، فإن المخطئ يهلك بهلاك عقيدته الخاطئة، فكان التقدم - كما يقول بوبر - مأساويا وخطيرا إن أمكن أصلا. وهنا نتوقف هنيهة لنقول: لو كان بوبر قد اطلع مثلا على شكوك قدماء المصريين في الآلهة ونقدهم للديانات والأفكار المطروحة وعلى تقدمهم العلمي لما قال هذا، ولما جرؤ على ضم هذه الحضارات إلى المرحلة البدائية، ولما واصل طريقه ليعتبر الإغريق هم الذين بدءوا مرحلة التفكير العلمي النقدي، والنقد ذاته من اكتشاف المدرسة الآيونية، أول مدرسة فلسفية إغريقية حيث ينقد أنكسمندر أستاذه طاليس ويطرح فرضا أفضل.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٨٤