تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15

ولإحكام منهجية هذه الخطوة، يمكن حصر أساليب إجرائها، أي أساليب اختبار النظرية واستبعاد الخطأ، في أربع طرق: (أ)

مقارنة النتائج الاستنباطية بعضها ببعض، والتثبت من اتساقها معا وخلوها من التناقض، أي اتساق النظرية مع نفسها. (ب)

فحص النظرية نفسها فحصا منطقيا، لنرى هل هي من نطاق العلم التجريبي، وهل هي إخبارية؛ فقد تكون تحصيل حاصل. (ج)

مقارنة النظرية بالنظريات الأخرى في البناء المعرفي لنرى هل تتسق معها، وهل تمثل تقدما علميا عليها. (د)

اختبار النظرية تجريبيا، أي عن طريق التطبيقات التجريبية للنتائج المستنبطة منها.

16

بالنظر إلى هذه الأساليب، نجد المنهج المتبع أساسا هو الاختبارات الاستنباطية، وليس البتة أدلة استقرائية، رغم أن الأهمية القصوى للملاحظة والتجريب تبرز في هذه الخطوة؛ فهي التي تفصل القول أولا وأخيرا في قبول أو رفض النظرية المتسقة منطقيا. إن اتفقت الملاحظات مع النتائج المستنبطة من النظرية، سلمنا بها مؤقتا، إن تناقضت استبعدناها، ولا أثر إطلاقا للاستقراء، فليس هناك أي انتقال من الوقائع إلى النظريات، ما لم يكن انتقالا تكذيبيا. حقا إن الاستدلال هنا من أدلة تجريبية، ولكنه استدلال استنباطي صرف.

وكلما كانت النتائج المستنبطة أبعد، كلما كانت أهم، ليس هناك عالم يبلغ من السذاجة حدا بحيث يضع نظرية يمكن اكتشاف الخطأ فيها هي ذاتها، في صميم منطوقها، أو في نتائجها القريبة، وكلما كانت النتائج المستنبطة أبعد، كلما كانت أهم، ليس هناك عالم يبلغ من السذاجة حدا بحيث يضع نظرية يمكن اكتشاف الخطأ فيها هي ذاتها، في صميم منطوقها، أو في نتائجها القريبة.

ومهما كانت نتيجة الاختبار، فلا بد وأن العالم قد تعلم منها شيئا، فإذا فشل الاختبار، واجتازته المحاولة، فقد عرف الباحث الكثير ، عرف أن حله هو الأكثر ملاءمة، وهو أفضل ما لدينا حتى الآن، وأنه هو الذي ينبغي الأخذ به. أما إذا نجح النقد وفند النظرية، فقد عرف الباحث الكثير أيضا، عرف لماذا أخطأ، فيلم بالمشكلة أكثر، وربما فشلت النظرية في حل المشكلة المطروحة للبحث، ولكنها قد تنجح في حل مشكلة بديلة، وقد تعطي شحنة تقدمية أكثر مما لو كانت المشكلة الأصلية قد حلت، وحتى وإن لم تحل، لا المشكلة الأصلية، ولا أية مشكلة بديلة، فإن العالم يجب أن يهتم أيضا بالتكذيب في حد ذاته؛ لأن اكتشاف كذب نظرية يعني اكتشاف صدق نقيضها، وإن كان نفي النظرية التفسيرية ليس بدوره نظرية تفسيرية.

م2:

وعلى أية حال، لا بد وأن ينتهي العالم إلى موقف جديد، يحمل بين طياته مشاكل جديدة ليأخذ العالم منها م2 ... يبدأ بها الحلقة الجديدة.

بالطبع ليس من اليسير إدخال فكرة المحاولة والخطأ البسيطة في ذات الهوية مع المنهج التجريبي المعقد، إنما هي الأصل والإطار العام الذي تفرعت شتى التعقيدات داخل خطواته، إن منهج المحاولة والخطأ، أي «م1 - ح ح - أ أ - م2» هو أسلوب التعلم، أسلوب تعرف الكائن الحي على بيئته، وقد تطور قليلا قليلا حتى بدأ في اتخاذ سمة المنهج العلمي التجريبي الحديث، الذي هو على وجه الدقة: منهج الحدوس الافتراضية الجريئة «المحاولة» والاختبارات العملية الحاذقة البارعة لتكذيبها وتصويب الخطأ فيها.

خلاصة المنهج هي أن يتعلم الباحث أن يفهم المشكلة فيحاول حلها، ويفشل في هذا الحل فيردفه بحل آخر أقوى يفشل فيه هو الآخر، العالم يسير من حلول سيئة إلى حلول أفضل، عارفا في كل حال أن لديه القدرة على طرح تخمينات جديدة، فطريق التقدم العلمي الوحيد هو طريق الكشف، هو طريق طرح فروض أفضل.

وبطبيعة الحال تحدد هذه النظرية المنهجية منطق العلم وطبيعته، من حيث إنه دائما غير يقيني، مؤقت نسلم به الآن لأنه الأفضل، وفي وقت لاحق لا بد من التوصل إلى ما هو أفضل، فالمسألة نسبية وهي متغيرة من حيث هي دائمة التطور والتقدم.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٨٣