تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ينظر بوبر إلى العلم والمعرفة نظرة واحدة، فليس العلم إلا مرحلة متقدمة من المعرفة، بل من علاقة الكائن الحي بالبيئة، حتى إننا لو كشفنا القصة كلها مرة واحدة، منذ الأميبا حتى آينشتين لوجدناها تعرض النمط نفسه.

فأنماط السلوك أيا كانت، سلوك العالم في معمله، أو سلوك الكائن الحي في صراعه مع البيئة من أجل البقاء، أو ما بين هذا وذاك، أي سلوك ليس إلا محاولة لحل مشكلة معينة، والمعرفة بدورها ليست إلا نشاطا لحل مشاكل معرفية.

لذلك يبدأ أي موقف بمشكلة محددة لتكن «م1»؛ لتأتي محاولة حلها «ح ح»، لكن لا بد من مناقشة أو اختبار الحل و«استبعاد الخطأ» «أ أ»، وإلا لن تستمر الحياة، بعد حذف الخطأ يبرز موقف جديد، وأي موقف يحتوي على مشاكل؛ لينتهي إلى مشكلة جديدة «م2» هكذا نجد الصورة المنهجية لأية محاولة: «م1 - ح ح - أ أ - م2».

وقد تقترح كثرة من الحلول تختبر جميعها من أجل الوصول إلى أفضل «م2» بالصورة:

أما حين يصعب حسم القول في أفضل الحلول المتنافسة، فإن الصياغة تتخذ الشكل:

إنها صورة تعدد الاتجاهات السياسية والمذاهب الفلسفية مثلا، وهي أيضا صورة تطور الحياة على وجه الأرض في أنواع بيولوجية عديدة.

هذه الصياغة من أخصب أفكار بوبر، وضع عليها سرجا جيدا، وامتطى صهوتها خلال الكثير المتباين من حقول التساؤل الإنساني، وحتى المجالات التي لم يطرقها هو طرقها أحد أتباعه، طبقها مؤرخ الفن إرنست جومبريش في تفسير تطور الفنون، كما دعا إمرى لاكاتوش إلى تطبيقها في مجال تفسير بناء الاستدلال الرياضي. أما النتائج الخصبة التي تنتج عنها فتفوق الحصر. لعل أهمها أن المعرفة تسير في حلقات متتالية، لكنها ليست دائرية، فهي لا تنتهي من حيث بدأت، بل تنتهي بموقف جديد ومشاكل جديدة، هذه الجدة هي التي تكفل التقدم المستمر. الخطأ داخل في صميم كل محاولة ويستحيل تجنبه، وهو ذاته طريق التقدم المستمر عن طريق استبعاده. معنى هذا أن الصياغة قادرة على تجسيد منطق التقدم، ومنطق الكشف العلمي.

وإذا سئل بوبر عن مسار المنهج العلمي، أصبحت الإجابة سهلة في صورة الخطوات أو بالأحرى المراحل التالية:

م1:

يبدأ العالم بحوثه من مشكلة، إما مشكلة عملية تجريبية، وإما مشكلة نظرية أي فرض وقع في صعوبات، العالم يجد في العلم دائما مواقف معينة لمشاكل، فيختار منها المشكلة التي يأمل في استطاعته حلها. البدء إذا ليس بالملاحظة، بل بالمشكلة. وهذه المشكلة بدورها ليست نتيجة للملاحظة أو حتى للتجريب، بل هي مأخوذة من البناء المعرفي السابق.

ح ح:

الفكرة عن المشكلة تكون غامضة، التعرف الكامل عليها لن يكون إلا بطرح حل ونقده فهم المشكلة يكون بفهم صعوباتها، بأن يعرف العالم لماذا لا يسهل حلها، لماذا لا تصلح الحلول الواضحة، بهذا يفهم المشكلة جيدا، يعرف تفرعاتها ومشاكلها الجانبية وعلاقاتها بالمشاكل الأخرى. إنه يحيط بموقف المشكلة فيتمكن من طرح الحل الملائم، الحل دائما اختباري، وهو فرضي، محاولة الحل قد تفضي إلى طرح عدة حلول، عدة نظريات تتنافس لحل نفس المشكلة، أو تتنافس بأن تمنح حلولا لبعض المشاكل المشتركة، على الرغم من أن كلا منها قد تمنح - بالإضافة إلى هذا - حلولا لمشاكل لا تشترك فيها مع النظريات الأخريات. كيف يمكن الاختيار بين مجموعة النظريات المتنافسات والاستقرار في هذه الخطوة على «ح ح» محددة؟ أولا على الباحث استبعاد ما يمكن تفنيده، أي اكتشاف الاختبار الفاصل، التجارب الحاسمة التي تستطيع تفنيد واستبعاد بعض منها، ثم يختار الباحث النظرية الأفضل من بين المجموعة المتبقية، والنظرية الأفضل هي الأكثر قابلية للتكذيب؛ لينتهي بتعيين «ح ح» أي محاولة حل.

أ أ:

ثم يحاول العالم نقد «ح ح»، أي فرضه الجديد. لا بد من إيجاد الخطأ في الحل المقترح، بل ومحاولة تفنيده. قد يصمد الفرض أمام اختبارات النقد، وقد ينهار سريعا، إذا كان ضعيفا. لكن القاعدة أن العالم سيجد افتراضه الحدسي قابلا للاختبار التجريبي، وإلا لما كان علميا، وقد يجد أنه لا يحل المشكلة، بل يحل جزءا منها فقط، وسيجد حتى أفضل الحلول، أي الذي يقاوم أعنف نقد لألمع العقول، من شأنه أن يثير صعوبات جديدة، فهو نظرية لم تفند حتى الآن. ولما كانت لا بد أن تفند يوما ما، فعلى الباحث محاولة هذا دائما، فيحاول إقامة مواقف اختبارية قاسية. لذلك فإن هذه الخطوة «أ أ» قد تفضي إلى بناء قانون مفند، قانون قد تكون درجة عموميته منخفضة، فقد لا يستطيع شرح مواطن نجاح النظرية، لكن يستطيع الأهم: اقتراح اختبار حاسم وتجربة تفند النظرية، وتبعا لنتيجتها إما يأخذ العالم بهذا القانون المفند، وإما بالنظرية موضع الاختبار.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٨٢