إذا في هذا المستوى المبدئي أيضا تتسق علاقة العقل الإنساني بالعالم التجريبي، كما اتسقت في المستوى الأعلى مستوى البحث العلمي، ولا توجد قفزات لا عقلانية غير مبررة، أي تتبخر تماما مشكلة الاستقراء؛ لأن الاستقراء ذاته قد تبخر. ولكي يحسم بوبر هذا يعاود التأكيد على أن اعتقاداتنا السيكولوجية القوية التي نتصرف على أساسها في حياتنا العملية ليست البتة نتيجة التكرار كما أوضح في نقده لهيوم، وأن العقل هو الذي يفرض مفهوم التكرار على الواقع بناء على توقعاته الفطرية السابقة على التجربة، هذه التوقعات كفيلة بأن تجتث الاستقراء من أعمق الجذور. يقول عالم النفس جيرولد كاتس
J. Katz : إن الحيوان الجائع يقسم البيئة إلى أشياء تؤكل وأشياء غير قابلة للأكل، وحينما يشعر بالخطر لا يرى أمامه إلا أماكن الاختباء وطرق الهروب، فالحالة الداخلية للكائن الحي واهتماماته العقلية هي التي تحدد ردود أفعاله إزاء البيئة وترسم له إطارها أو تصنف وقائعها التجريبية. وإذا كان الحيوان مهتما فقط بالطعام والأمان، فإن العالم مهتم بمشكلة علمية معينة، وعقله ليس مقصورا بالطبع على التوقعات الفطرية - كحالة الإنسان البدائي - فثمة أيضا علمه الذي جعله عالما، أي النظريات التي درسها ويقبلها كخلفية علمية، والافتراض الذي يتصوره لحل المشكلة ... ثم يهبط من كل هذا إلى وقائع التجريب، أما التصور الاستقرائي بأن هذه الوقائع هي نقطة البدء التي نصعد منها إلى الفرض، فقد اتضح أن هذا مستحيل سيكولوجيا ومنطقيا وميثودولوجيا «منهجيا» على السواء.
هكذا لم يعد أمامنا استقراء من أي نوع كان، لا في أية مرحلة من مراحل المعرفة ولا في أي مجال من مجالات العلاقة بين العقل والواقع التجريبي. وبهذا يرى بوبر أنه حل مشكلة الاستقراء وتخلص نهائيا من المعضلة التي أعيت العقول منذ هيوم وحتى برتراند رسل.
والسؤال الآن: هل حل بوبر مشكلة الاستقراء فعلا؟ لا شك أنه أخرج منطقا للمعرفة التجريبية بلا مشاكل أو قفزات تعميمية، لكنه لم يحل مشكلة الاستقراء ليصل إلى هذا، بل فقط اجتث جذوره تماما، زعم أنه سيعيد صياغة مشكلة هيوم كي تصبح مشكلة موضوعية، لكنه في واقع الأمر استغل براعته المنطقية لكي يصيغ المشكلة في صورة تساؤلات حول ما إذا كان هناك استقراء أم لا؛ وذلك لكي يجيب بلا فيتخلص من الاستقراء ومن مشكلته معا. إنه حل ينطبق عليه المثل الدارج «حل العقد بالمنشار»، بمعنى حل المشكلة بأسلوب لا يسمح لها بأن تقوم، ولا يسمح أيضا للنزعة الاستقرائية بأن تقوم لها قائمة بعد الآن.
لقد اجتث بوبر جذور الاستقراء تماما، ليس فقط كتبرير وتمييز للمعرفة العلمية، بل أيضا كمنهج، كمجرد آلية منهجية يمكن أن تتمثل في اكتساب أي شكل من أشكال المعرفة التجريبية. باختصار لا يوجد شيء اسمه المنهج الاستقرائي، أي لا يوجد منهج يبدأ بالملاحظة التجريبية، أو بتعبير بوبر الأثير: الاستقراء خرافة.
وإذا قبلنا هذا، لا بد أن يجيب بوبر على السؤال: ما هو منهج العلم إذا؟
ثالثا: منهج العلم ... الإبستمولوجيا التطورية
بوبر لا يعتبر نظرية دارون نظرية علمية متكاملة ذات مضمون معرفي ومحتوى إخباري متكامل كنظرية نيوتن مثلا، بل هي أساسا برنامج بحث ممتاز، ومع هذا اشتهر بوبر دائما بأن فلسفته داروينية تطورية، وهذا هو ضلعها الأساسي المأخوذ من توجهات بيولوجية والذي استقطبه كثيرا في أيامه الأخيرة.
ولأن بوبر أولا وقبل كل شيء فيلسوف المنهج العلمي، فلا بد وأن تتمثل هذه الداروينية التطورية في نظريته في المنهج العلمي، التي تتلخص في كلمة واحدة هي آلية المحاولة والخطأ كما تتمثل في صياغته الشهيرة «م1 - ح ح - أ أ - م2» فترسم قصة العلم وقصة الحضارة، وقصة الحياة بأسرها على سطح الأرض كما تصور الداروينية نشوءها وارتقاءها أو تطورها.