وعلى هذا الأساس أمكن لفلسفة العلم الفرنسية في القرن العشرين، بفضل بوانكاريه ودوهيم، أن تستهل طريقها بتأسيس أقوى صورة للاتجاه الأداتي تعرف باسم الاصطلاحية
Conventionalism ، وتعني أن حقائق المنطق والرياضة متواضعات اصطلح العلماء على استخدامها تبعا لرموز معينة وقواعد لصياغة التعريفات والمسلمات وللاستدلال، وتظل صادقة ما دامت تستخدم بطريقة متفقة مع هذه الرموز والقواعد، بصرف النظر عن معطيات الواقع. ومع بدايات القرن العشرين قام هنري بوانكاريه بتطبيق هذه الرؤية الاصطلاحية على الفيزياء، فتدين الاصطلاحية بنشأتها الناضجة إليه. أخرج بوانكاريه ثلاثة أعمال رائدة في فلسفة العلم هي «العلم والفرض 1902م»، و«قيمة العلم 1905م»، و«العلم والمنهج 1908م». لقد كان فيلسوف علم وأيضا عالم رياضيات عظيم الشأن. حصل على درجة الدكتوراه في الرياضة عام 1883م، وأصبح أستاذا للفيزياء الرياضية بكلية العلوم بباريس، وعضوا بالأكاديمية الفرنسية للعلوم منذ عام 1887م. «قبيل ظهور النسبية وبالتحديد عام 1904م أعطى بوانكاريه محاضرة أشار فيها إلى أن نظرية نيوتن لا تستطيع تفسير الظواهر المستجدة في الفيزياء، وناقش إمكانية أن تحل نظرية أخرى محل الميكانيكا النيوتونية. فكان بوانكاريه أكثر من مجرد ممهد للنظرية النسبية».
52
رأى أن الفيزياء لا تنفصل أبدا عن الهندسة، وكان منطلق اهتمامه المركزي الهندسات اللاإقليدية، رأى أن هندسة إقليدس ستظل دائما متربعة على عرش العلم لأنها الأبسط، ومع هذا لا توجد هندسة أفضل من الأخرى، فقط ثمة بدائل عديدة لحل المشكلة العلمية، ثم يتخذ العالم قرارا باختيار بديل دون سواه، كما ذكرنا، ليست الوقائع التجريبية هي التي تحسم هذا القرار، بل الاعتبارات المنطقية المذكورة. إنها اعتبارات برجماتية وأيضا جمالية. فماذا عسى أن يكون الجمال الخلاب سوى تكامل قيم الاتساق والبساطة والمواءمة، لكنه ليس الجمال الحسي المباشر الذي تتذوقه الحواس، بل هو نوع رفيع من الجمال لا يتذوقه إلا الذكاء العلمي.
كان بوانكاريه في طليعة المؤكدين على أن دور التجربة ليس ملزما بحال، بل فقط يتفاعل مع العوامل الأخرى لاتخاذ القرار، وأن الوقائع التجريبية لا تكفي أبدا لتبرير المعرفة العلمية، فهي تعطينا ركاما مهوشا، ولا بد من عنصر في ذهن العالم يضفي الوحدة والنظام والنسقية على ركام الوقائع المتناثرة. وهذه في رأيه هي وظيفة العلم في مواجهة الوقائع، إنها التفسير والتنبؤ والسير نحو الوحدة. يميز بوانكاريه بين الواقع المعقد والقوانين البسيطة، وإذا كان هناك تعميم استقرائي فمهمته التنبؤ، وليجعل الواقع أبسط ويعبر عن الوحدة في مجال العلم «إبستمولوجيا»، ولكن لا يتبعها بالضرورة افتراض الوحدة أنطولوجيا. فكما رأينا، يجعل الأداتيون جميعا الإبستمولوجيا في واد والأنطولوجيا في واد آخر.
بطبيعة الحال رفض بوانكاريه تماما التفسير التجريبي لأصول الرياضيات مع جون ستيوارت مل، وجعل الرياضيات عقلية خالصة. أما في الفيزياء فيميز بوانكاريه بين عناصر التجربة والنتائج الاختبارية وبين عناصر التعقل الرياضي والاصطلاح والفرض، موضحا أننا نميل إلى الخلط بينهما، لكن لا بد من التمييز بين المبادئ والنظريات البحتة وبين القوانين الجزئية، ودور العناصر التجريبية في القوانين الجزئية فقط. صحيح أن التجربة تصدق على قوانين نيوتن الثلاثة، إلا أن التجربة لا يمكنها أبدا انتهاك هذه القوانين أو إثبات خطأها، وستظل إلى أبد الآبدين صحيحة، فهي مجرد اصطلاحات وتعريفات متفق عليها ونحن نقبلها؛ لأنها الأبسط، ونمارس البحث العلمي كما لو كانت هي أبسط نظرية، على الرغم من صعوبة إثبات هذا. وأخيرا انتهى بوانكاريه إلى أن هذه النظرة الاصطلاحية لا تنطبق على العلم التجريبي بأسره، بل فقط على المبادئ الأولية والنظريات البحتة والقوانين شديدة العمومية كقانون القصور الذاتي مثلا، أما القوانين التجريبية الجزئية فليست اصطلاحية.