تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان بوانكاريه عالما ثوريا تقدميا مشهودا له بالنجاح، بينما هو فيلسوف علم محافظ، يتحفظ في تطبيق اصطلاحيته ذاتها. ثم يرى الإقليدية ستظل متربعة دائما على عرش العلم، ويصر على أن قوانين نيوتن فوق مطاول الاختبار التجريبي، وهذا ما نقضته تطورات العلم التالية في القرن العشرين.

أما بيير دوهيم (1861-1916م) فقد سحب التفسير الاصطلاحي على العلم بأسره، وذلك في كتابه «هدف وبنية النظرية الفيزيائية 1906م»، رأى أن النظرية العلمية تمدنا بنظام صوري عام لضم عدد كبير من القوانين الجزئية. وهي بهذا بنية من كيانات مجردة، ليست وصفا ولا تفسيرا لوقائع العالم التجريبي، بل هي مجرد أدوات اصطلحنا عليها للتنبؤ، صيغت بحيث تكون أكفأ وتنبؤاتها أدق. كل ما يبدو وصفا هو مجرد تعيين لعلاقات تجعل التنبؤ أسهل وأدق. أما التفسير فغير ذي قيمة ولا دور. مهمة العلم تنحصر في تحديد العلاقات بين الظواهر.

يتفق دوهيم مع بوانكاريه على دور الرياضيات الجوهري في أداء هذه المهمة. وأوضح دوهيم أننا حين نستخدم الرياضيات في العلم فإننا نعبر بها عن خصائص قابلة للقياس بطريقة اصطلاحية بحتة، وذلك عن طريق الرموز الرياضية التي تربط الظواهر بعلاقات فيما يسمى «بالفروض» وتترابط الفروض على أساس الطرق الرياضية، والنتائج تترجم إلى لغة الفيزياء لكي تصبح تنبؤات. وبشكل عام يلعب «الفرض» دورا بارزا في الفلسفة الاصطلاحية بأسرها.

لم يهتم بوانكاريه بتاريخ العلم، بينما كان دوهيم شديد الاهتمام به. وهذا الوعي التاريخي الفريد جعل دوهيم يرى النظريات العلمية في نشأتها ونموها ثم ذبولها لتحل محلها أخرى، ورفض تماما ما ذهب إليه بوانكاريه من أن قوانين نيوتن تظل دائما صحيحة ولا يمكن أن تنتهكها تجربة. كان دوهيم على عكس بوانكاريه الفيلسوف المحافظ والعالم الثوري التقدمي الناجح، أما دوهيم فهو فيلسوف ثوري تقدمي وعالم محافظ، بل رجعي وذو نجاح محدود، وعلى الرغم من قدراته المنطقية العالية، فإنه في كل قضية علمية تصدى لها اتخذ الجانب الخاطئ الخاسر، رفض معادلات ماكسويل الكهرومغناطيسية الفذة وانتصر لنظرية هلمهولتس التي راحت الآن في طي النسيان. لم يرحب بالفرض الذري في الفيزياء وهاجم النسبية بشراسة حين ظهورها، على الرغم من أن هذه الجوانب التي يرفضها هي الأكثر اتساقا مع فلسفته الاصطلاحية.

53

ويبدو أن ما دفع دوهيم وأقرانه إلى مثل هذه المواقف المناوئة لخطى التقدم العلمي هو المذهب الاصطلاحي ذاته حين ينفصل عن الدلالة الأنطولوجية للقانون العلمي، ويرفض المحك التجريبي ومفهوم التجربة الحاسمة، وتغدو النظريات المتعاقبة أوصافا متكافئة لنفس الظاهرة. ولن يعترف الاصطلاحيون والأداتيون عموما بتزايد المحتوى الإخباري أو عمق القوة التفسيرية للعالم الذي نحيا فيه. ولم يكن بوانكاريه موفقا في هجومه على المدرسة المنطقية في أصول الرياضيات، تماما كما لم يكن ماخ موفقا في رفضه للنظرية الذرية في الفيزياء، ولا كان دوهيم موفقا في هجومه على النسبية.

ثم شهدت فلسفة العلم في القرن العشرين فلاسفة آخرين قادرين على جعل الاصطلاحية مسايرة وموائمة أكثر لخطى التقدم العلمي الثورية، منهم آرثر إدنجتون نفسه الذي ربط منزلة القوانين العلمية بمناهجنا لاكتساب المعرفة، ولويس

C. I. Lewis

الذي بحث في عناصر أولانية سابقة على الخبرة التجريبية تتسلل إلى نسق العلم في شكل التعريفات والتصنيفات والمعيار المقبول ضمنا للحقيقة. ذهب لويس إلى أنه لا توجد معرفة بدون تأويل عقلي، والتأويل يعتمد على هذه العناصر الأولانية، وفي إطارها ينمو العلم ويتطور بحيث إن ما يبدو قانونا تجريبيا قد يصبح في مرحلة لاحقة مبدأ اصطلاحيا، وأخرج لويس عملية «العقل ونظام العالم 1929م»، و«المفهوم البرجماتي للأولانية 1932م»، وهما من العروض الهامة للمذهب الاصطلاحي. ثم عمل آرثر باب

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٦٢