تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومع كل هذه الأصول والأساس الذي ألقاه باركلي والريادة المباشرة لإرنست ماخ، فإن الأداتية احتلت موقعها المرموق في فلسفة العلم في القرن العشرين بفضل يعود إلى الفلسفة الفرنسية قبل سواها. وكانت الأصول المباشرة في حركة نقد العلم التي رأيناها تسود الفلسفة الفرنسية في القرن التاسع عشر حاملة التأثير الكانطي، وفي سياقه تلك الدرة الثمينة: العقل هو الذي يفرض تصوراته على الطبيعة. وكما رأينا في الجزء الأول من هذا الفصل، هدفت حركة نقد العلم إلى تحجيم الحتمية العلمية انتصارا لحرية الإنسان، وكانت وسيلتهم إلى هذا هي الزعم بأن الحتمية العلمية مجرد أداة إبستمولوجية خالصة لتنظيم المعرفة العلمية والمشروع العلمي، ولا تنطوي البتة على أي تصور للوجود أو خبر أنطولوجي بشأن الواقع. ونذكر على وجه الخصوص إميل بوترو ورسالته «إمكان قوانين الطبيعة 1874م» التي تؤكد أن الحتمية والضرورة فكرة عقلية خالصة لا توجد إلا في الأنساق المنطقية والرياضية، ويحاول العقل أن يفرضها قسرا على تصوراته للواقع؛ لأن هذا مفيد للبحث العلمي، في حين أن الواقع خلو منها ويتسم بالتعددية والتداخل فهو احتمالي وقوانين الطبيعة ممكنة وليست ضرورية. وإذا اتسمت الأبنية الإبستمولوجية العلمية بالضرورة فلا يعني ذلك اتسام الواقع بها؛ لأن عالم الأعيان يختلف عن عالم الأذهان بتعبير الإسلاميين. الخلاصة أن حركة نقد العلم فسرت الحتمية العلمية تفسيرا أداتيا، ثم واصلت الفلسفة الفرنسية تعميم هذا التفسير على النسق العلمي بأسره.

وكان هذا كشأن كل اتجاهات فلسفة العلم في القرن العشرين، مدفوعا بثورة العلم الكبرى التي عرضها الفصل السابق. ولما كانت الأداتية في جوهرها مدا لنطاق فلسفة الرياضيات إلى العلم التجريبي، فإن ظهور هندسات لا إقليدية متسقة ومكافئة لهندسة إقليدس كان أقوى سند للفلسفة الأداتية، فقد اتضح أن مسلمات إقليدس ليست البتة حقائق مطلقة، بل متواضعات أبدعها العقل الإنساني، ثم اصطلحنا عليها؛ لأنها موائمة ونافعة. وما أسهل الزعم بأن اتخاذ هندسة إقليدس أو سواها مسألة متروكة للاختيار الحر المحكوم باعتبارات الفائدة البرجماتية والبساطة والمواءمة. وحين كشفت مبرهنة كورت جودل عن لا اكتمال في الأنساق الرياضية، مثلت هي الأخرى سندا قويا، فهنالك صياغة غير قابلة للبت ولا يمكن إثباتها ولا إثبات نفيها، إذن قبولها أو رفضها لن يتم إلا على أساس برجماتي ولاعتبارات المواءمة. ويخرج الأداتيون من هذا بأن الحقائق الحسابية مثل الحقائق الهندسية، لا تفرض على الذهن ويتوقف قبولها أو رفضها على المتواضعات التي اصطلحنا عليها. يختلف المنطق عن الهندسة ونظرية الحساب، ولا يخضع للرؤية الاصطلاحية فكل حقائقه مبرهنة ولا يمكن الاستغناء عن مسلماته، وقواعده كافية للاستدلال ولوضع معايير الملاءمة. ولكن ما أسهل أن نمد التفسير الأداتي إلى الفيزياء، بعد أن انهارت الفيزياء الكلاسيكية وصعدت فيزياء الكوانتم والنسبية. فشهد العلم نظريات متعددة لنفس الظاهرة كلها ذات صلاحية ومواءمة في حدود معينة يختار العقل أن يعمل في إطارها، الضوء جسيم وموجة، والإلكترون داخل الذرة جسيم له كتلة، وإذا خرج منها تحول إلى طاقة، ومبدأ هيزنبرج يكشف عن أثر أدوات الرصد على الظاهرة المرصودة؛ ليمكن الزعم بأنه ليس هناك واقع متعين يكشف عنه العلم. وأسفر اقتحام عالم الذرة بأسره عن معرفة استدلالية بحتة، ولم تعد النظرية العلمية تشير إلى وقائعه بعلاقة واحد إلى واحد كما تصور الكلاسيكيون. وعلى هذا نزعوا البعد الأنطولوجي عن المفاهيم العلمية وحولوها إلى أدوات. فهل المفاهيم الذرية كيانات حقيقية حتى وإن تعذر إدراكها؟ أم إنها مجرد أدوات تيسر الاستنباط والتنبؤ؟ بدا للأداتيين أن البديل الثاني أصوب وأقرب إلى واقع ممارسة البحث العلمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٦٠