تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن الأداتية مثل كل الأطروحات الفلسفية الكبرى، يمكن تتبع الأصول إلى مراحل تاريخية أسبق، وتصل بنا إلى الخطوة الأولى من نسق العلم الحديث في القرن السادس عشر، حين كتب اللاهوتي أوسياندر - كما ذكرنا - مقدمة لكتاب كوبرنيقوس «دوران الأجرام السماوية» كان يعبر عن هذا الموقف الأداتي؛ إذ يقول إن الفلكي يبدع فروضا يمكن بواسطتها وطبقا لمبادئ الهندسة أن نحسب بدقة حركة الأجرام السماوية، وليس من الضروري أن تكون هذه الفروض صادقة في الواقع، شيء واحد يكفي هو أن تمدنا بحسابات مطابقة للملاحظة. معنى هذا أن نظرية كوبرنيقوس ليست وصفا صادقا أو كاذبا للعالم، بل مجرد «جهاز حسابي يسمح بربط مجموعة من مواقع الكواكب القابلة للملاحظة بمجموعة أخرى مماثلة. والحسابات تكون أيسر وأسهل إذا عوملت منظومة الكواكب وكأن الشمس تشغل مركزها».

50

وأمل أوسياندر أن ينجح هذا التفسير الأداتي في تمرير النظرية أمام رجال الدين، ما دامت مجرد أداة وليست خبرا عن الواقع يناقض أو يطابق ما هو مذكور في الكتب المقدسة. ثم تبناها بيير جاسندي وأعلنها كنظرية للعالم في كتابه

Syntagma

عام 1658م.

51

أما عن الأصول الفلسفية الصريحة، فقد أسهب كارل بوير في إيضاح أن مؤسس الاتجاه الأداتي في فلسفة العلم هو الأسقف جورج باركلي الذي رأيناه في «حوار الفلسفة والعلم الحديث» بالفصل الثالث من أعلام التجريبية الإنجليزية في القرن الثامن عشر، رهن الوجود بالإدراك الحسي له، ورأى أن النظريات العلمية كنظريات كوبرنيقوس وكبلر وجاليليو ونيوتن مجرد أدوات للحساب والتنبؤ بشأن الظواهر وشيكة الحدوث. إنها لا تصف العالم ولا أي جانب من جوانبه، ولا يمكنها أن تفعل هذا؛ لأنها ببساطة خالية من المعنى. المصطلحات الواردة فيها من قبيل القوة والتثاقل والجذب والقصور لا معنى لها من حيث إنها لا تشير إلى وقائع مدركة أو ملاحظات حسية أو ظواهر طبيعية، بل تصف خصائص غير مرئية لعالم غير مرئي، إنها مفاهيم خفية غامضة

occult . وبالتالي فإن نظرية نيوتن لا تعني شيئا، وليست تفسيرا للعالم، بل هي ببساطة وهم

Fiction

رياضي وحيلة رياضية، لا يمكن أن تكون صادقة أو كاذبة، بل فقط مفيدة أو غير مفيدة. ويستعمل باركلي مصطلح «الفروض الرياضية» لهذا النوع من الحيل الخلو من المعنى لكن المفيدة، والتي وضعت من أجل المواءمة الرياضية لاختزال وتيسير الحسابات.

وفي أعقاب باركلي جاء شيخ الفلسفة الحديثة إيمانويل كانط بنظريته في المعرفة التي تجعل العقل مزودا بمقولات معينة تنصب في إطارها المعطيات الحسية، فتتشكل المعرفة. وهذا يعني: العقل هو الذي يفرض مقولاته وتصوراته على الطبيعة، وليست الطبيعة هي التي تفرض صورتها على العقل، كما توحي النزعة الاستقرائية التي تمثل التجريبية المتطرفة والمادية الخالصة. تلك هي الدرة الثمينة في فلسفة كانط التي توصف بأنها مثالية، واستفادت منها الأداتية وفلسفات علم مناهضة للأداتية، وسوف تستوعبها تجريبية القرن العشرين فتغدو متبصرة أكثر، وتمثل مركبا جدليا يجمع خير ما في المثالية والمادية ويتجاوزهما إلى الأفضل، كما سبق أن فعل الرائد الأكبر برتراند رسل بطريقته.

وعلى مشارف القرن العشرين نجد أن الأداتية كاسم وكمسمى صيغت في إطار الفلسفة البرجماتية الأمريكية التي رأيناها تؤكد على أن الفكرة لا توصف بأنها صادقة أو كاذبة، بل بأنها مفيدة أو غير مفيدة، وارتهن المعنى عندهم بالنفع في الواقع العملي الذي يوجه السلوك ويرسم العمل كما تفعل الخريطة الجغرافية. ألقوا بالمشاكل المنطقية للصدق وراء ظهورهم، وعني جون ديوي على وجه الخصوص بطرح النظرة الوظيفية للمفاهيم، وتبيان أن التفكير أداة للمعرفة والمعرفة أداة لتنظيم الخبرة، والعلم ذاته مجرد أداة كي يؤمن وجود الإنسان ويكفل له الانتصار في معركة الصراع من أجل البقاء، والمعيار هو الصلاحية لأداء هذه الوظيفة وليس الصدق أو الكذب. ويستخدم مصطلح «الأداتية» أيضا للدلالة على فلسفة ديوي. لا مغالاة إذن في القول: إن الأداتية هي تطبيق إبستمولوجي للبرجماتية في فلسفة العلم.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٥٩