هكذا انطلق ماخ من الأساس التجريبي الوضعي الحاد ليصل إلى لب الأداتية، وهو في هذا وذاك يهدف إلى نفس هدف الوضعية المنطقية وهو تأمين العلم من أي اختراق ميتافيزيقي أو تسلل لمفاهيم وأبعاد ميتافيزيقية. قصر ماخ وظيفة العلم على الوصف ورفض أن يضطلع العلم بالتفسير؛ لأن التفسير هو الباب الذي تتسلل منه الرؤى الميتافيزيقية إلى نسق العلم. وقد بلغ به الأمر أن حارب النظرية الذرية في الفيزياء؛ لأنها ليست توصيفات قائمة على الخبرة! وبالمثل يجاهر بيير دوهيم بأن «فلسفته تقتصر على إثبات أن الفيزياء ليست مأخوذة من أية رؤية ميتافيزيقية».
47
يقترن اسم بيير دوهيم برفيقه هنري بوانكاريه
H. Poincare (1854-1912م) بوصفهما مؤسسين للأداتية في فلسفة العلم في القرن العشرين في شكل الاصطلاحية. وقد أشاد كارناب بماخ وبوانكاريه بوصفهما من أبطال حركة تحرير العلم من الميتافيزيقا. لكن الأداتيين لم يشنوا حربا هوجاء لا قبل للعلم بها على الميتافيزيقا لتحقيق هذا الهدف، كما فعلت الوضعية المنطقية، بل اقتصروا على حدود العلم وحاولوا تجريدها من الأبعاد الأنطولوجية التي تسمح بتسلل الميتافيزيقا. وعلى أية حال، فإن هذا الموقف من الميتافيزيقا في نظرية العلم لا يتأتى إلا من تجريبية قاطعة.
وتجريبية الأداتيين بدورها تجريبية منطقية، لكن بأسلوبهم المختلف. حقا لم يستخدموا المنطق الرياضي بالتقنية الحرفية التي رأيناها مع الوضعيين المنطقيين والتحليليين، ولم يهتم دوهيم بأبحاث بيانو وفريجه ورسل. درسها بوانكاريه، لكن لم يستفد كثيرا منها، وهاجم إفراطهم في التفاصيل المنطقية، وقال متهكما: «إذا كانوا قد احتاجوا إلى سبع وعشرين معادلة لإثبات أن الواحد عدد، فكم معادلة يحتاجونها لإثبات مبرهنة حقيقية؟!»
48
واستأنف بوانكاريه هجومه على رسل وكواترا وأقرانهما. ومع هذا كانت التجريبية الأداتية تجريبية منطقية في احتكامها لمعايير منطقية مثل البساطة والاتساق والمواءمة، هذا بعد أن أطاحوا بالأساس الاستقرائي لتنفرد المعايير المنطقية بالميدان. وفوق هذا نجد أن الأداتية في جوهرها مد لنطاق فلسفة العلم الرياضي إلى فلسفة العلم التجريبي، على أساس أن أي نسق منطقي أو رياضي متسق ومترابط قابل للتطبيق على الواقع، ولا فارق في نظرهم بين النسق الرياضي والنسق التجريبي. في كلتا الحالتين ثمة حقائق بسيطة ومتسقة وموائمة، أبدعها العقل بحرية ولم تفرضها عليه التجربة ويمكن أن نصطلح عليها لتنظيم وقائع الخبرة، «والرياضيات تصدق على الطبيعة؛ لأن هذا النمط من التفكير يمكننا من التعامل مع الطبيعة بأكثر الصور ملاءمة. وإنها لصورة منتقاة عبر عملية تطور لصور الفكر الكائنة في أذهاننا».
49
هكذا تساهم الأداتية بدورها في إبراز النقلة المحورية لفلسفة العلم في القرن العشرين في اتجاه أبعاد المنطق والرياضيات بحيث أصبحت التجريبية منطقية.
هذه الحدود المموهة بين الرياضيات والعلوم التجريبية تبرز الفارق المحوري بين الأداتية وسواها من مذاهب فلسفة العلم، ويتمثل هذا الفارق في عدم التزام الأداتية بالواقعية، بمعنى الوجود الواقعي المستقل للعالم الخارجي كإطار مرجعي. لقد رأينا فلسفة العلم من حيث هي فلسفة تجريبية تسلم بالواقعية، وترى العلوم التجريبية إخبارية، أي تحاول أن تعطينا مضمونا خبريا ومحتوى معرفيا عن هذا العالم. وهي محاولات ليست نهائية أو مطلقة الصدق، لكنها متطورة وتظل في الوقت المعني أفضل ما لدينا. وهي على أية رؤية حصيفة لبنية العالم وطبيعته ومحاولة بارعة لوصف وتفسير جوانب معينة منه، تلتزم بأفضل صياغة نستطيعها للعالم التجريبي. بالنسبة للأداتية الموقف مختلف، فليس هناك مضمون خبري أو محتوى معرفي، ولا التزام بصياغة الواقع، بل فقط أدوات لإقامة الروابط بين ظواهره والتنبؤ والسيطرة، أدوات مفيدة، لكنها خاوية. إنها مجرد اصطلاحات ومتواضعات اتفقنا عليها؛ لأنها أكثر ملاءمة من البدائل أو النظريات الأخرى. وفي النهاية تنفرد الأداتية بهذا الفصل بين المعرفة والوجود، وتجريد الإبستمولوجيا العلمية من دلالاتها الأنطولوجية، في حين تتفق بقية الأطراف على أن معلم نجاح العلم الحديث هو هذا التمثل الواقعي للإبستمولوجيا وهذه القيمة الأنطولوجية للنظرية العلمية، خصوصا الفيزيائية. ومن الصعوبة بمكان تجريد الفيزياء بالذات من ارتباطها بمشكلة تفهم العالم الذي نحيا فيه. هذا الموقف من أنطولوجية النظرية العلمية واعتبارها بنية إبستمولوجيا خالصة، هو الذي صنع حدودا للاتجاه الأداتي.