تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Simplicity

أن تكون النظرية محتوية على أقل عدد ممكن من المفاهيم الأساسية والعلاقات. والوقائع التجريبية ذاتها تقبل أو ترفض تبعا لقرار منهجي بناء على تلك المعايير المنطقية.

أطاح الأداتيون بالأساس الاستقرائي، وألقوا مشكلة الاستقراء وراء ظهورهم، أصبح العلم في نظرهم مجرد نسق منطقي من عبارات هي دوال منطقية، لا تعدو أن تكون مجرد أدوات تحقق هدف العلم أو تؤدي وظيفته؛ وهي السيطرة على العالم ثم التقانة «التكنولوجيا». وبالتالي أعفوا أنفسهم من العلية وافتراض الاطراد في الطبيعة، فلا تواجههم مشكلة الاستقراء، ما دامت قوانين العلم ليست تعميمات نحكم عليها بالصدق وحدود الصدق، بل هي - كما ذكرنا - أدوات نافعة ومفيدة لأداء وظيفة معينة، ومن إبداع العالم وخلقه الحر. وهذه الحرية ليست عشوائية أو تعسفية، بل محكومة بالمعايير المنطقية. القانون العلمي لا يمكن التحقق التجريبي من صدقه أو كذبه، ولا جدوى من هذا، يكفي أن يكون عبارة متسقة بسيطة ومثمرة، فيوصف بالمواءمة والصلاحية.

أصر الأداتيون على أنه لا يمكن اعتبار القانون العلمي مشتقا من الاختبارات التجريبية؛ لأن القانون عام والتجربة جزئية، القانون محدد بدقة والتجربة تقريبية تحتوي على عديد من التعقيدات يستبعدها القانون.

46

التجربة منتهية والقانون قابل دائما للتطور والتقدم، فكيف تكون النظرية العلمية نتاجا للوقائع التجريبية؟! إنها نتاج العقلية العلمية المبدعة، وتكشف عن عمليات منطقية أكثر مما تكشف عن وقائع تجريبية. قد تتكيف النظرية وفقا لمقتضيات التجربة التي لا تمثل أكثر من مرشد، فدورها استشاري فقط لتحديد أنسب الفروض العلمية والأكثر ملاءمة، أي الأدق في التنبؤ والأوسع في العمومية، دون الزعم بأن القانون حقيقة متمثلة في الواقع التجريبي.

لم تعد التجربة إطارا مرجعيا للحكم على القوانين والنظريات. الإطار المرجعي معايير منطقية هي على وجه التحديد المواءمة والاتساق والبساطة المرتبطة بمبدأ الاقتصاد في التفكير، خصوصا البساطة؛ لأن الواقع معقد ومهمة القوانين العلمية تبسيطه. البساطة إذن معبرة عن وظيفة العلم في نظرهم، من هنا كانت أهم المعايير المنطقية والإطار المرجعي الأكبر بالنسبة للأداتيين.

ومع رفع لواء البساطة وتحجيم دور التجربة، تظل الأداتية فلسفة تجريبية منطقية بالمعنى الشامل المستخدم على هذه الصفحات. إنها لا بد وأن تكون تجريبية مهما جعلت دور التجربة استشاريا وتاليا للمعايير المنطقية؛ لأنها فلسفة للعلم التجريبي. والواقع أن الأداتيين أخذوا الأساس الوضعي الذي صاغه كونت حين قال إننا لا نبحث عن حقيقة الظاهرة إنما نكتفي بالوقوف عند سطحها الخارجي وعلاقاتها بالوقائع الأخرى. وهذا إرنست ماخ التشيكي المولد النمساوي الجنسية الذي اعتلى لأول مرة في تاريخ الجامعات كرسيا لفلسفة العلوم التجريبية، ويعد ماخ رائدا للأداتية وفي الوقت نفسه رائدا للوضعية المنطقية. إنه وضعي متطرف في فلسفته التي ترتكز على رد كل شيء إلى الإحساسات حتى إنه يرفض الصعود من الإحساسات إلى أية دلالة إخبارية للعبارات العلمية. من هنا رأى ماخ في النظرية العلمية محض أداة نافعة وإجراء مفيد ليس أكثر، والقوانين العلمية مجرد وصف للعالم التجريبي وليست تفسيرا له، وصف لعلاقات بين الظواهر قابلة للملاحظة، ولا مكان في العلم لغير هذا. وكان ماخ يبرر انطباق الرياضة على الواقع الفيزيائي بأن علم الرياضة التطبيقية ميكانيكا، وهو ببساطة وصف مناسب للظواهر. والنظرية الفيزيائية عند ماخ أوصاف من حيث هي تعريفات ضمنية مطابقة للخبرة، وهي في الواقع وصف له دور وقوة الأداة. والقانون العلمي مهما كان مجرد أداة، هو أسلوب للبحث ودالات قضايا توصف بالصلاحية وعدم الصلاحية، ولا توصف بأنها صادقة أو كاذبة.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٥٧