ومع كل هذا لا مندوحة عن الاعتراف بالجوانب الأخرى الإيجابية. يكفي فضل الوضعيين في تطوير المنطق الرياضي وتطبيقاته الفلسفية. ومنذ الوضعية المنطقية فصاعدا لم تعد فلسفة العلم نشاطا على هامش الفلسفة، ولا تسكعا للعقول المتميزة، بل أصبحت فلسفة العلم نشاطا فنيا احترافيا دقيقا ومرموقا. والحق أن فلسفة العلم كنشاط أكاديمي تخصصي إنما هي ربيبة جامعة فيينا، كانوا تنويريين يشنون الحرب على الخرافة والعقل المنطلق بلا ضوابط، ألقوا في النفوس رهبة من الاسترسال في الأقوال الفضفاضة بغير حساب، وأجبروا الفلاسفة الآخرين على مزيد من الدقة والوضوح في التعبير، حتى بات التعبير الواضح المفهوم من سمات الفلسفة في القرن العشرين، بعد أن اشتهرت طوال تاريخها بالغموض والإلغاز والصعوبة.
وفي الحضارة العربية ظفرت الوضعية المنطقية بما لم يظفر به سواها من مذاهب الفلسفة الغربية، ظفرت بنصير متحمس هو عملاق الفلسفة العربية في القرن العشرين زكي نجيب محمود (1905-1993م). وكان يدرس للدكتوراه في جامعة لندن إبان الأربعينيات، وحضر محاضرات لرسل وآير وسواهما يقول:
شعرت في اللحظة التي قرأت فيها عن الوضعية المنطقية بأنه إذا كانت الثقافة العربية في حاجة إلى ضوابط تصلح لها السير، فتلك الضوابط تكمن ها هنا.
43
فهي دعوة إلى الأخذ بأحكام العقلي العلمي الصارم - وحده دون العاطفة - والتزام الدقة البالغة في استخدام الألفاظ والعبارات.
44
وتبنى زكي نجيب الوضعية المنطقية تبنيا كاملا، واتخذها عنوانا وبطاقة لهويته الفلسفية وتكرس إبان الخمسينيات لنشرها والدعوة إليها، غير آبه بمردودها على العقائد الدينية. وفي عرضه المنهجي الأستاذي الرائد للمنطق الرياضي وفلسفة العلم، وضع عمله بجزأيه تحت عنوان «المنطق الوضعي»! أجل بعض فصول الكتاب مكرسة للوضعية التي تنتسب إلى المنطق، ولكن المنطق الرياضي ذاته بحث مجرد لا ينتسب لمذهب دون الآخر، ومهما كان استغلال فلاسفة الوضعية للمنطق وإنجازاتهم فيه، فهذا «ليس من شأنه أن يسحب صفة الوضعي على المنطق نفسه، فلم يأت المنطق الرياضي لخدمة مقاصد الفلاسفة الوضعيين»،
45
على العموم أعقبه الدكتور زكي نجيب بكتابيه «خرافة الميتافيزيقا 1953م»، و«نحو فلسفة علمية 1958م»، وهما من أفضل عروض الوضعية المنطقية، وعلى مستوى العالم. وثمة أيضا الجزء الثاني من «قشور ولباب 1956م»، هذا بجانب أنها منبثة في معظم ما كتبه بعد هذا.
كانت الوضعية المنطقية مع الأستاذ المعلم زكي نجيب محمود رسالة تنويرية وسبيلا إلى صحوة عربية، بتوجيه الأنظار إلى الواقع بدقة وصرامة المنهج العلمي، ووجهت بهجوم عربي حاد لم ينل من عزيمة الأستاذ المعلم. لكن خفت وطأة الهجوم حين انتقل زكي نجيب إلى الاهتمام بتجديد الفكر العربي والبعد الإسلامي لحضارتنا وتمثل الوضعية المنطقية بشيء من الهوادة، فأخرج طبعة ثانية من «خرافة الميتافيزيقا» تحت عنوان «موقف من الميتافيزيقا 1983م». وظل زكي نجيب دائما على إيمان بضرورة الوضعية المنطقية لتوجيه العقل العربي نحو الواقع، ومحاربة الخرافة التي تعشعش فيه وكبح استرسالنا في الإنشائيات والخطابيات والخوض في لغو العقول.
خامسا: الأداتية
الاتجاه السياسي الآخر في فلسفة العلم هو الأداتية
instrumentalist
بمعنى النظر إلى القوانين والنظريات والأنساق العلمية بوصفها أدوات للربط بين الظواهر والتنبؤ بها والسيطرة عليها توصف بالصلاحية أو عدم الصلاحية، وليست تعميمات استقرائية أو قضايا إخبارية ذات محتوى معرفي عن العالم التجريبي لتوصف بالصدق أو الكذب. فتقاس قيمة النظرية العلمية بقدرتها على أداء وظائف العلم، وليس بقدرتها على التعبير عن الواقع بصدق. القانون العلمي لا يصف الطبيعة، بل لعله يصف تصورنا للطبيعة. إنه اختراع أكثر منه اكتشاف ولا يمليه الواقع التجريبي. العقل يبدع النظرية العلمية بقدر من الحرية، مثلما يبدع أية أداة أخرى يريدها لأداء وظيفة معينة. وليست التجربة محكا حاسما للحكم على النظرية العلمية، المحك هو الملاءمة لأداء الوظيفة، ومعايير الملاءمة منطقية منهجية قبل أن تكون تجريبية، فهي المرونة والخصوبة والدقة في التنبؤات والشمولية والاتساق، ومن قبل ومن بعد البساطة. والمقصود بالبساطة