مهما يكن الأمر، فإن دائرة فيينا تداخلت فيها الفئتان اللتان ميزتا القرن العشرين فئة العالم/الفيلسوف وفئة الفيلسوف/المنطقي، جميعهم سلموا تسليما «بالرسالة المنطقية الفلسفية» لفتجنشتين، حتى عدت إنجيل الدائرة، كانوا يرتلونها ويتدارسونها ويجدون العزم في تطبيقاتها حتى في الوقت الذي كان فتجنشتين فيه مشغولا بنقض الرسالة وتطويرها في «بحوث فلسفية»! ولولا أنه كان يرفض الانتماء لأية جماعة أو مذهب، لكان مركز دائرة فيينا وقطبها. والحق أن الأمر الواقع كان على خلاف النهج التقليدي في نشأة المدارس الفلسفية، فلا نجد في الدائرة أستاذا نفذ ببصيرته العبقرية إلى كنه الحقيقة، فاصطف من حوله التلاميذ ينصتون إليه في رهبة وخشوع، بل نجد أقوى تمثيل لروح الفلسفة العلمية في القرن العشرين، نجد جمعا من الزملاء التفوا حول زميلهم شليك، اختلفت آراؤهم وتقاربت هاماتهم تقاربا شديدا، وراحوا يتعاونون لتحقيق غاية واحدة؛ هي قصر النشاط العقلي على العلم الرياضي والطبيعي ثم تحليلاته المنطقية، وإذا طرح سؤال تناولوه تناول الأنداد، قد تختلف الإجابات فيحاول كل منهم تنقيح إجابة الزميل وتصويب أخطائه، وقد تتباين مشاربهم الفلسفية في هذه القضية أو تلك، لكنهم يتفقون على مبادئ تمثل دعائم الفلسفة الوضعية المنطقية لا بد من التسليم بها جميعا، ولا بأس من الاختلاف في أية مسألة بعد هذا، هذه المبادئ على وجه التحديد هي:
أولا:
الفلسفة تحليلية.
ثانيا:
الفلسفة علمية.
ثالثا:
القضية إما تحليلية أو تركيبية.
رابعا:
الميتافيزيقا لغو.
خامسا:
معيار التحقق سيمانطيقيا، ولغة العلم سينتاطيقيا؛ لتمييز المعرفة العلمية.
على هذا يجتمع الوضعيون المنطقيون على أن تكون الفلسفة مقتصرة على التحليل بخصائصه الأربع المذكورة، وهي: اللغوية والتفتيتية والمعرفية والبين ذاتية، ثم تتميز الوضعية المنطقية بقصر هذا التحليل بأدواته المنطقية على العبارات العلمية لا سواها، بهذا تغدو الفلسفة علمية.
رأوا أن الفلسفة مهمتها التحديد، ومع هذا لم تحدد لنفسها مجالاتها، وأخذت تصول وتجول حيث تشاء حيث ضاق بها الجيران، وراحوا يستبعدونها من أراضيهم واحدا بعد الآخر، بادئين بالفلك والطبيعة ومنتهين بالنفس والاجتماع، ولم يبق أمام الفلسفة إلا العلوم المعيارية والميتافيزيقا والمنطق. العلوم المعيارية هي فلسفة الأخلاق والسياسة وفلسفة الجمال، أصر الوضعيون على أنها جميعا عبارات انفعالية وجدانية لا تزيد عن ضحكة المسرور أو صرخة المتألم، طالما أنها ليست البتة عبارات معرفية، أما الميتافيزيقا فهي جلبة أصوات بغير معنى ولا جدوى يجب أن تقبع أبنيتها الشامخة التي لا تضر ولا تنفع في متاحف التاريخ المهجورة. ولا يبقى أمام الفلسفة ميدان جدير بالبقاء إلا المنطق، عليها أن تتمسك به وتجعله شغلها الشاغل والوحيد، والعقل البشري لا ينبغي أن ينشغل إلا بالمجالات العلمية؛ أي مجال سواها من خلق الخيال العاجز، وبالتالي تقتصر الفلسفة على تسخير المنطق لتقديم الخدمات التحليلية للعلم، فتقتصر نفسها على مجالاته وتدور معه وجودا وعدما. وليس معنى هذا أن ينازع الفلاسفة العلماء في بحوثهم التي تبغي المعلومات عن العالم التجريبي الواقعي الواحد والوحيد، فهذا شأن العلماء فقط، والفلسفة تختلف، فهي توضح ولا تضيف، إنها كما قال فتجنشتين علم البحث عن المعنى، معنى العبارات العلمية. بعض المصطلحات العلمية قد يكتنفها من اللبس والغموض ما يستطيع التحليل المنطقي أن يجلوه. ومن ناحية ثانية قد تكون مقولة علمية مترتبة على أخرى أو متضمنة فيها أو متناقضة مع نفسها أو مع أخرى تم التسليم بها ... والتحليل المنطقي للعلم يتكفل بكل هذا ويكشف عنه.
هكذا جعل الوضعيون المنطقيون العلم هو النشاط العقلي الأوحد، الذي ينقسم بين فئتين ولا ثالث لهما، فئة العلماء الذين يقومون بجمع المعلومات ووضع النظريات، ثم فئة فلاسفة العلم الذين يقومون بتحليلات منطقية تساعد على تقدم العلم وازدهاره. قد يقوم العالم نفسه بهذه التحليلات، وفي هذه الحالة سوف يصبح فيلسوفا بعد أن كان عالما، أو يصبح العالم/الفيلسوف، بالمفهوم الوضعي المنطقي للفلسفة الذي يعني المطابقة بينها وبين التحليل المنطقي للعلم، فتغدو الفلسفة بأسرها علمية، ولا يعود ثمة متسع للميتافيزيقي السابح في أجواء المطلق، أو الأخلاقي الحالم بمجتمع الفضيلة أو السياسي الباحث عن اليوتوبيا أو الجمالي الهائم في العالم الأستطيقي الخلاب.