35
وكأن ما سواها من فلسفات للعلم لن تكون هكذا! اتخذت أيضا أسماء أخرى مثل التجريبية العلمية والتجريبية المتسقة والوضعية الحديثة ... ولكن شاع اسم «الوضعية المنطقية» الذي صاغه بلومبرج وفيجل عام 1931م. والواقع أن الاسم الأصلي لهذه المدرسة هو «دائرة فيينا»، فكيف تشكلت دائرة فيينا لتشكل فلسفة الوضعية المنطقية؟
في عام 1895م قررت جامعة فيينا لأول مرة إيجاد كرسي لفلسفة العلوم التجريبية؛ لتنمية وصقل هذا الفرع الفلسفي الهام النامي حديثا، وكانوا يفضلون أن يشغله عالم طبيعي ذو ميول فلسفية قوية. أول من شغله إرنست ماخ. وفي عام 1922م استدعت جامعة فيينا شليك من وطنه ألمانيا لشغل هذا الكرسي، فقد كان موريتس شليك
M. Schlick (1882-1936م) عالم طبيعة، حصل عام 1904م على درجة الدكتوراه برسالة موضوعها «انعكاس الضوء في وسط غير متجانس» تحت إشراف ماكس بلانك أبي الكوانتم، وعمل أستاذا للفيزياء في جامعة روستوك من عام 1911م حتى 1917م، ثم في جامعة كيل حتى عام 1921. وكان شليك واسع الإلمام بالفلسفة وتاريخها وعميق الاهتمام بها. صدر له في برلين «المكان والزمان في الفيزياء المعاصرة 1917م»، و«النظرية العامة للمعرفة، 1918م»، فضلا عما صدر له من كتب بعد ذلك، أهمها «عن مغزى الحياة 1927م»، و«مشكلات علم الأخلاق 1930م»، و«مستقبل الفلسفة 1932م»، ثم «الأبحاث المجمعة» في فيينا عام 1938م، أي بعد وفاته. وكان منذ البداية يأخذ بتجريبية ماخ وهلمهولتس الحادة واصطلاحية بوانكاريه، ويرفض فينومينولوجيا إدموند هوسرل والكانطية الجديدة التي شاعت في جامعات ألمانيات آنذاك، ويرفض الكانطية الأصلية رفضا للمطلق النيوتوني ولاعتبار قضايا الفيزياء قطعية أو قضايا الرياضة تركيبية. هكذا كان شليك فيلسوفا على الأصالة، معنيا بنظرية المعرفة ومنطق العلم، وأيضا بالأخلاق وفلسفة الحياة والثقافة؛ لذلك اصطنع شليك لنفسه لقب العالم/الفيلسوف، ربما أسوة بآينشتين، وقد كان شليك في طليعة شراح النظرية النسبية ومفلسفيها بألمانيا.
وما إن حط شليك رحاله في فيينا عام 1922م، إلا وتحلق حوله جمع من علماء ذوي ميول فلسفية قوية وفلاسفة ذوي ميول علمية قوية ورياضيين ومنطقيين محترفين، كانوا يجتمعون في لقاءات دورية استمرت من عام 1922م حتى عام 1938م، لمناقشة قضايا ومفاهيم فلسفة العلم. هذه هي دائرة فيينا التي صاغت مناقشاتها فلسفة الوضعية المنطقية.
أوصى بتشكيل هذه الدائرة عالم الرياضيات هانزهان والفيزيائي فيليب فرانك وعالم الاجتماع أوطو نويراث، ومن أعضائها هربرت فيجل وفيزمان وجوستاف بيرجمان وفيكتور كرافت، وأبرزهم رودلف كارناب. انتسب إليها كورت جودل صاحب مبرهنة اللااكتمال الشهيرة، وأيضا كارل منجر وفليكس كاوفمان وإدجار تسيلزل. اتخذت الدائرة صيغة رسمية عام 1929م، وأصدرت مجلة «المعرفة
Erkenntnis »، وتعاونت مع جمعية برلين للفلسفة التجريبية برجالها هانز رايشنباخ وجريلنج وليفين وفردريك كراوس وكارل همبل وريتشارد فون ميرس صاحب النظرية الهامة في حساب الاحتمال، كلهم ذوو اتجاه واحد، عقدوا معا مؤتمرا دوليا في براغ وكونجسبرج. صالت الوضعية المنطقية وجالت وتدفقت عنها الكتابات المتميزة جدا في فلسفة العلم، وصارت أعلى مدارس فلسفة العلم صوتا وأبعدهم صيتا، حتى أصيبت باغتيال رائدها موريتس شليك في 22 يونيو عام 1936م في قلب جامعة فيينا على يد طالب يدعى نلبك
Nelbock
لقي عقوبة مخففة ولم يتحدد سبب فعلته هذه. ثم أعقب هذا الغزو النازي لتتفكك دائرة فيينا تماما، فقد انتمى معظم أعضائها البارزين إلى أصول يهودية، وخوفا من بطش النازية باليهود فروا إلى غرب أوروبا وأمريكا، وذهب آخرون ليسوا يهودا بفعل إغراء العروض والعقود، فقد كانوا جميعا ذوي قدرات منطقية متميزة في العصر الذهبي للمنطق، حملوا معهم الوضعية المنطقية من الإطار الجرماني في النمسا وألمانيا إلى الإطار الأنجلو أمريكي في إنجلترا وأمريكا وأيضا أستراليا؛ لتنمو وتستمر بعض الوقت، قبل أن تخبو تماما، بفعل عوامل عديدة سوف تتضح في حينها، أهمها التطرف الحاد الذي لا بد أن يصل إلى طريق مسدود.