ولكي يستطيع الوضعيون المنطقيون أن يعلمنوا الفلسفة بهذا الحصر والقصر ارتكزوا على حجة منطقية؛ وهي أن القضية إما تحليلية، وإما تركيبية. فقد كانت الرياضيات عقبة كئود في وجه التجريبيين، طالما أن العقل الرياضي يستقل بنفسه عن التجربة ليصل إلى القضايا الرياضية الضرورية الصدق ذات اليقين المطلق. فكيف نفضل على هذا المنهج العقلي الخالص المستقل عن التجربة - منهج الرياضة الذي تقتفيه الميتافيزيقا - منهجا آخر يعتمد على التجربة، فتجيء نتائجه احتمالية؟! ولم يكن التجريبيون جميعا بجرأة جون ستيوارت مل وصلابته التجريبية كي يزعموا معه أن الرياضة أيضا تستند على تعميمات تجريبية.
36
ربما كانت هذه العقبة الرياضية هي التي منعت التجريبيين خمسة وعشرين قرنا - هي عمر الفلسفة - من اتخاذ موقف شديد التطرف كموقف دائرة فيينا.
حتى كان كتاب «برنكبيا ماتيماتيكا» والمدرسة المنطقية في أصول الرياضيات التي أثبتت أنها امتداد للمنطق ومثله تحصيل لحاصل لا تحمل خبرا جديدا عن الواقع. ثم أكدت رسالة فتجنشتين أن الصورة المنطقية للقضية الرياضية هي: أ هي أ، بينما تتخذ قضايا العلوم الطبيعية الإخبارية الصورة المنطقية: أ هي ب. من هذا المنطق كان تقسيم الوضعية المنطقية الشهير للعبارات أو الجمل أو سائر ما يتمثل في الصور النحوية إلى فئتين هما: (1)
العبارات ذات المعنى
meaningful : وهي إما العبارات التحليلية، أي قضايا العلوم الصورية «المنطق والرياضة»، وإما القضايا التركيبية التجريبية «قضايا العلوم الطبيعية الإخبارية»، واصطلاح «ذات معنى» أفضل من اصطلاح «لها معنى
has a meaning »؛ لأن الأول يظهر أن المعنى ليس شيئا يضاف إلى العبارات، بل صفة تتحد بنفس طبيعة العبارة. (2)
العبارات الخالية من المعنى
meaningless : وهي كل ما يخرج عن النوعين السابقين، وخصوصا قضايا الميتافيزيقا. إن الوضعية المنطقية تطابق بين المعنى وبين العلم، وحيث لا علم لا معنى!
ولكي يكون الحديث ذا معنى، لا بد وأن يقتصر على نوعين من القضايا لا ثالث لهما، هما نوعا العبارة العلمية: القضايا التحليلية
Analytic
والقضايا التركيبية
Synthetic .
القضايا التحليلية هي قضايا العلوم الصورية حيث تنحصر قيمة القيمة داخل ذاتها، فهي تحصيل حاصل تكرارية، تكرر في الشق الثاني، أي التالي عين ما قيل في الشق الأول، أي المقدم، ليس لها محتوى معرفي أو مضمون إخباري عن الواقع، نصل إليها استنباطا، ونعرف صدقها أو كذبها فقط بتحليلها تحليلا منطقيا لغويا، فإذا أوضح التحليل أن الشق الأول هو عينة الشق الثاني مثلا «الأرملة امرأة مات زوجها»، أو «للمربع أربعة أضلاع» كانت صادقة؛ لأن القضية التحليلية مجرد إثبات للهوية، في المثال هوية أ لأرملة أو المربع، أو ما اصطلحنا على تسميته أرملة مربعا. من هنا كان صدقها مطلقا يقينيا؛ لأنه يعتمد على الضرورة المنطقية التي تعني استحالة النقيض. القضية التحليلية إذا كانت صادقة كانت ضرورية وإذا كانت كاذبة كانت متناقضة ذاتيا. الضرورة هنا في قوانين منطق الفكر واللغة وليست في الواقع، فالواقع لا ينطوي على ضرورة، غير أن القضية التحليلية لا تلتزم بالواقع؛ لأنها لن تحمل خبرا جديدا بشأنه. والخلاصة أن القضية التحليلية صورية تكرارية استنباطية عقلية يقينية ضرورية، محك الصدق فيها هو منطق اللغة.
أما القضايا التركيبية فهي قضايا العلوم الطبيعية وشتى المباحث التجريبية، التي تنقل خبرا عن العالم الواقع من حولنا، فهي إذن إخبارية ذات محتوى معرفي، نصل إليها باستقراء خبرة الحواس. التحليل المنطقي للقضية التركيبية يردها إلى سلسلة من القضايا الذرية، كما علمتنا ذرية رسل وفتجنشتين المنطقية، ثم ينتهي تحليل الوضعيين إلى سلسلة من المعطيات الحسية التي تبعث بها الواقعة الذرية. المرجع هنا في الحكم بالصدق أو الكذب هو خبرة الحواس، وهو حكم نسبي يستحيل إطلاقه. المعطيات تشير الآن إلى صدق القضية، لكن من يدري؟ قد تأتينا في الغد معطيات أخرى عن العالم الطبيعي، أو تتكامل بعد نقص، فتصبح القضية كاذبة. إنها إذن عرضية احتمالية يستحيل أن تكون ضرورية. والخلاصة أن القضية التركيبية تجريبية استقرائية احتمالية عرضية محك الصدق فيها هو خبرة الحواس.