تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه الصفات أو الخصائص الأربع تجتمع في سائر فروع الفلسفة التحليلية، حتى «الرسالة المنطقية الفلسفية» لفتجنشتين، ومنطق رسل وفلسفته التحليلية التي قامت هذه الرسالة على أكتافها. إن رسل هو الرائد الأكبر، وانطلقت الفلسفة التحليلية من رحابه؛ لتنمو وتتطور وتتجاوز الحدود التي رسمها، كما يحدث كثيرا للأفكار الفلسفية الكبرى. وكان رسل في كل حال دائم الاستعداد للدفاع عن التحليل، ويسهب في تبيان أن رفضه هو رفض للتقدم العلمي ولروح العلم، وإن ساءته بعض التطورات اللاحقة. منذ البداية أراد جورج مور قصر الفلسفة على التحليل، ورفض رسل هذا مؤكدا أن التحليل اللغوي مجرد وسيلة مفيدة جدا، ولا ينبغي أن يتحول إلى غاية تلهي عن إنجاز الأهداف الفلسفية الكبرى، وجاهر بأن التحليل في حد ذاته لا يكفي أبدا لحل المشكلة الإبستمولوجية والمشكلة الأنطولوجية. هاجم رسل الفروع التي جعلت التحليلات اللغوية غاية وقصرت الفلسفة عليها، مؤكدا أن المأخذ الوحيد الذي يمكن أن يؤخذ على الفلسفة التحليلية هو أنها أدت إلى هذه الفروع المتطرفة حيث أصبحت الفلسفة معنية أكثر بفهم نفسها وتنكرت للمهمة التي اضطلعت بها منذ طاليس وطوال عهودها، وهي مهمة فهم هذا العالم. أوسع رسل هذه الفروع نقدا، وقال عن فلاسفة اللغة الجارية في أكسفورد: إنهم ينشغلون بالأشياء التافهة التي يقولها البلهاء، وهذا أمر قد يكون مسليا لكنه ليس هاما!

وعلى الرغم من أن الوضعية المنطقية أكثر المدارس استفادة من جهاز رسل المنطقي المهيب، وتوظيفا لنظريته في الأوصاف المنطقية والخلو من المعنى، فإن رسل خص الوضعية المنطقية بالقسط الأكبر من نقده الموجه، وأفرد لهذا مقالا مطولا بكتابه «المنطق والمعرفة 1956م» الذي حمل أهم محاضراته ومقالاته طوال النصف الأول من القرن العشرين، فهل هذا لشدة تطرف الوضعية المنطقية التحليلي أم لعلو صيتها حتى كادت تكون التمثيل الرسمي لفلسفة العلم، ليس في سياق الفلسفة التحليلية فقط، بل في سياق الربع الثاني من القرن العشرين بأسره؟!

رابعا: الوضعية المنطقية

الوضعية المنطقية هي المسئولة عن كل تطرفات وجنوحات التيار التحليلي، فقد تمسكت بمفهوم رسالة فتجنشتين الضيق للفلسفة بوصفها منطقا للغة العالم التجريبي، كما تتبلور في لغة العلم. وشيئا فشيئا تخلق عن هذا مفهوم للفلسفة بأسرها بوصفها تحليلا منطقيا لكل أشكال الأقوال حتى في اللغة الجارية. هكذا نجد الوضعية المنطقية - بتعبير فون رايت - هي ينبوع التحليل، يتدفق ليتفرع ويتشعب في التيار التحليلي العريض.

وليست الفلسفة التحليلية فحسب، بل كل الخطوات السابقة في فلسفة العلم تتجمع وتتكثف في فلسفة الوضعية المنطقية. هذا منذ أن علمنا فرنسيس بيكون أن الروح العلمية تعني التجريبية ورفض الميتافيزيقا رفضا لكل ما يتجاوز العالم التجريبي أو الطبيعة مملكة المعرفة الإنسانية، ثم تطورات الروح العلمية مع التجريبيين الإنجليز والتنويريين الفرنسيين، حتى صاغ أوجست كونت الفلسفة «الوضعية» ذاتها؛ لتقوم النزعة الاستقرائية بمنهجتها، أي صبها في شكل المنهج الاستقرائي الذي يميز العلم عن أي نشاط عقلي آخر.

سلم الوضعيون المنطقيون بالنزعة الاستقرائية كما صيغت في القرن التاسع عشر بتجريبيتها الحادة؛ ليمنطقوها بعد أن تمنهجت، أي ليجعلوها منطقية بحكم ناموس القرن العشرين، فبدأوا من الأصول في الرياضيات ثم مدوا نطاق استخدام المنطق الرياضي لتحليل مفاهيم العلم، ثم لبناء لغة العلم، أو السيمانطيقا، ثم السينتاطيقا، فلم يعد المنطق الرياضي مع الوضعية المنطقية عصبا للفلسفة فحسب، بل هو مجمل جهازها العصبي وهيكلها بأسره.

وإذ تستجمع الوضعية المنطقية كل المد السابق في فلسفة العلم، فإنها - بغرور قاصم - تكثفه وتحوله إلى بؤرة تشع نورا ساطعا ونارا تحرق ما حولها، وفي إصرار على الانفراد بفلسفة العلم التي رأوها ينبغي أن تكون الفلسفة برمتها، اتخذت الوضعية المنطقية اسم «التجريبية المنطقية» بألف ولام التعريف،

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٤٧