تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان فتجنشتين بعباراته الصاروخية القاطعة هو الأقوى تأثيرا في التيار التحليلي، حتى اعتبر الأب الروحي لسائر فلاسفته، وهو الذي صبغه بالصبغة اللغوية الساطعة. كان متطرفا إلى حد يلامس العصابية في حكمه بأن كل المشاكل الفلسفية لغو ينبغي استئصاله؛ لأنها لا تطابق الواقع التجريبي، حتى قيل: إن «نصل أوكام» يهدف إلى استئصال الشطحات الفلسفية الزائدة، بينما هدف فتجنشتين إلى استئصال شجرة الفلسفة من جذورها! أمثال هذه الدعاوى الهوجاء تظهر في كل عصر ومصر، وتظل شجرة الفلسفة ريانة الأفنان غير قابلة للاستئصال. وقد ظلت ناضرة مثمرة على الرغم من شيوع فلسفة فتجنشتين بشكل أو بآخر في سائر المذاهب التي تفرعت عن التيار التحليلي.

أول فروع التيار التحليلي هو ما يمكن أن نسميه مذهب التحليل العلاجي

Therapeutic Analysis

الذي ساد في كمبردج ذاتها طوال الثلاثينيات مع جون ويزدم وموريس ليزرويتز ومالكوم وسواهم. أخذوا عن فتجنشتين أن التحليل المنطقي «علاج» للالتباسات والبلبال الناشئ عن سوء استخدام اللغة، ويشفينا من الترهات الفلسفية، إلا أنهم لم يهاجموا الفلسفة بالضراوة التي هوجمت بها من فتجنشتين، بل رأوا المشاكل الفلسفية الكبرى تقوم بدور في تنوير العقل البشري، ولا بد أن ثمة أسبابا وجيهة تدفع إلى الانشغال بالمشاكل الميتافيزيقية الكبرى كحقيقة المادة ووجود الآخرين وخصائص المطلق ... إلخ. على هذا رأوا أن مهمة التحليل الفلسفي ليس مجرد التوضيح وإزالة اللبس والغموض، بل أيضا تهدئة القلق الفلسفي وعلاج العقول من الهم الميتافيزيقي وتحريرها من ضغوطه؛ وذلك بالكشف عن حقيقة المشاكل الفلسفية بواسطة التحليل المنطقي الدقيق، حتى إن جون ويزدم في كتابه «الفلسفة والتحليل النفسي 1953» يقارن هذا بالتحليل النفسي. والتحليل الفلسفي العلاجي لا يستأصل شأفة الفلسفة، بل يزيل المشكلة الفلسفية مبقيا على الدور الذي لعبته في تنوير العقول. والفلسفة التحليلية في كل حال نشاط فني احترافي للتوضيح، وقد أصبح هنا أداة للعلاج.

استمر فلاسفة كمبردج في تحليلاتهم للمشاكل الفلسفية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وبعدها انتقل مركز التحليل إلى إكسفورد متخذا طورا جديدا ينصب على تحليل اللغة الجارية بين الناس مع جيلبرت رايل وجان أوستن وبيتر ستراوسون، هذا بخلاف فروع التيار التحليلي في قلب القارة الأوروبية وعلى رأسها بالطبع الوضعية المنطقية في النمسا. وأيضا التحليلات البولندية التي مورست في ظلال مدرسة المنطق العظيمة في وارسو، وقد كان رائدها تفاردوفسكي يؤكد أن السيمانطيقا وتحليلات المعاني مدخل ضروري للفلسفة، فقط مدخل، وليس كل الفلسفة كما ذهبت الوضعية المنطقية.

وقد حدد سكوليموفسكي

H. Skolimowisk

في كتابه «الفلسفة التحليلية البولندية 1967م» أربع خصائص تجتمع عليها سائر فروع التيار التحليلي، على ما بينها من خلافات وفوارق، حتى إن هذه الخصائص الأربع تمثل صلب الفلسفة التحليلية. أولها الاهتمام الواعي المتزايد باللغة، فأصبحت اللغة نفسها موضوع البحث الفلسفي، حتى قيل: إن الفلسفة التحليلية مجرد دراسة للغة، وكما أوضحنا في الجزء السابق، ليس المقصود اللغة الإنجليزية دونا عن العربية أو الصينية ... إلخ، بل اللغة من حيث هي لغة كما تتمثل في رموز وقواعد للتركيب، أو في السيمانطيقا والسينتاطيقا. الخاصة الثانية هي التفتيت، بغرض معالجة المشاكل الفلسفية جزءا جزءا، وهذا التفتيت يجعل الممارسة الفلسفية أقرب شبها بروح العلم التجريبي ومناهضة للاتجاه الشمولي الهادف إلى بناء الأنساق الميتافيزيقية الواحدية الشامخة. وقد وجد هذا التفتيت التحليلي لغته المنطقية الرسمية في مذهب الذرية المنطقية لرسل وفتجنشتين. يتصل التفتيت بالخاصة الثالثة وهي السمة المعرفية، كل الفلسفات التحليلية ترتبط بشكل أو بآخر بمشكلات المعرفة والعلاقة بعالم العلم التجريبي؛ لذلك اتصلت اتصالا وثيقا بفلسفة العلم وأفضت إلى واحد من أهم مذاهبها هو الوضعية المنطقية. أما الخاصة الرابعة فهي التناول البين- ذاتي، التحليل المنطقي لا يرتبط بذات دون أخرى، بل له دائما معناه ومدلوله المشترك بين الذوات جميعا، كلها تشارك فيه وتتفق عليه. إن البين-ذاتية هي المفهوم المعاصر للموضوعية المتفادي لمشاكلها، وبهذا تتميز الفلسفة التحليلية عن سواها من فلسفات قد تمارس تحليلا لا هو موضوعي ولا هو لغوي ولا هو منطقي، وأبرز الأمثلة تحليلات الوجوديين المسهبة للوضع الإنساني. ويمكن ملاحظة أن الخصائص كلها تستقطب روح العلم، وتمثل طابع الفلسفة العلمية التي سادت القرن العشرين.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٤٦