تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأصبح رسل هذا الفيلسوف المنطقي، وقدم فلسفته العلمية التحليلية، الذرية المنطقية، التي كانت قوة موجهة لفلسفة العلم في القرن العشرين. وقد وقفنا على هيكلها الأنطولوجي المتمثل في نظرية الأحداث المحايدة. أما فلسفة العلم ذاته عند رسل فلم تكن بهذه القوة والمضاء. لعل أهم ما فيها أنه وضع خمس مصادرات للمنهج التجريبي هي: (1) الثبات النسبي، (2) الاستدلال الزمكاني، (3) السلاسل العلية شبه المستقلة، (4) المصادرة البنائية، (5) مصادرة التمثيل. وبنظرة عميقة لوحظ أنها جميعا - باستثناء التمثيل - بمثابة خصائص للأحداث المحايدة.

33

وتأتي نظرية رسل للمنهج التجريبي - التي يمكن اعتبارها الفلسفة المباشرة للعلم - أقل من العادية. وتتلخص في أنه أيام واقعيته الساذجة وحتى ظهور نظرية النسبية العامة اعتبر الاستقراء التقليدي المرتكز على مبدأي العلية الكونية واطراد الطبيعة هو منهج العلم، على الرغم من تأكيده أن مشكلة الاستقراء غير قابلة للحل، مما يعني الشك في أسس الاستقراء وصحته. وبحكم طبائع التطور في القرن العشرين فقد الاستقراء التقليدي هذه المكانة، وتمسك رسل بالمنهج الفرضي الاستنباطي الذي يبدأ بفرض ثم نستنبط منه جزئيات تكون محل الاختبار التجريبي. كما بحث رسل نظرية الاحتمالات وخصائص المعرفة العلمية، وأيضا «أثر العلم في المجتمع»، وهذا عنوان كتاب ممتع له مترجم إلى العربية. أخرج رسل معالجة مبكرة وقوية لمبدأ الاستقراء ومشكلته في كتابه «مشكلات الفلسفة 1912م»، وينتهي منها إلى أن القوانين التجريبية لا يمكن أن تكون إلا احتمالية، فنهض جمع من فلاسفة العلم الشبان في كمبردج يعالجون منطق العلم التجريبي، ويحاولون إنقاذ الاستقراء كتبرير للمعرفة العلمية على أساس حساب الاحتمالات، كلما زادت الوقائع التجريبية المفضية إلى القانون كلما زادت درجة احتماليته. أبرز هؤلاء جونسون

W. E. Johnson ، وجون ماينارد كينز

J. M. Keynes

قبل أن يتحول إلى الاقتصاد وهارولد جيفرييز

H. Jeffreys ، والعبقري الفذ فرانك رامزي

F. Ramsy

الذي رحل عام 1930م عن سبعة وعشرين عاما، وتعرف حركتهم باسم البيزية

Bayesianism

نسبة إلى عالم الرياضيات توماس بييز

T. Bayes (1702-1761م) الذي كان من رواد حساب الاحتمال ردا على تشكيك معاصره ديفيد هيوم في التجريبية والاستقراء.

34

وقد أشرنا إلى هذه المحاولة أثناء مناقشة مشكلة الاستقراء في الفصل الثالث وأوضحنا أنها ليست حلا حاسما ما دامت تسحب المشكلة من اليقين إلى الاحتمال.

ظل رسل من أقوى موجهات الفلسفة طوال الربع الأول من القرن العشرين، إنها الفترة التي شهدت نشأة ونماء وتطبيقات الفلسفة التحليلية التي وصفت بأنها ثورة فلسفية مدوية رافضة للوضع الفلسفي، آتية بالجديد في المنهج، أي أسلوب البحث، وفي المذهب، أي موضوع البحث. خفتت الأضواء عن رسل فيما بعد إلى حد ما، ولم تعد أعماله قوية التأثير مثلما كانت، وتصدر الواجهة أتباعه من فلاسفة التحليل الآخرين. على أن رسل لم يفجر الثورة التحليلية بمفرده، شاركه صديقه مور وتلميذه فتجنشتين. انطلق ثلاثتهم من جامعة كمبردج.

رافق جورج إدوارد مور

G. E. Moore (1873-1958م) رسل منذ البداية في الثورة على المثالية الألمانية التي طغت في كمبردج، وهذا تصعيد للمد التجريبي. ثار رسل عليها؛ لأنها لم تعد تتفق مع روح العلم الذري والمنطق الرياضي، بينما ثار عليها مور؛ لأنها لا تتفق مع الحس المشترك

Common Sense ، أي الإدراك الفطري والخبرة العادية للإنسان العادي. وترجع فاتحة الفلسفة التحليلية إلى مقال كتبه مور عام 1903م بعنوان «تفنيد المثالية» قدم فيه مثالا عمليا لمنهج جديد في معالجة المشكلات الفلسفية مطبقا على الحس المشترك. وهذا المنهج الجديد يقوم على فكرة مؤداها أن المشكلات الفلسفية ترجع إلى سبب غاية في البساطة، وهو محاولة الإجابة على الأسئلة المطروحة دون أن نتبين أولا وعلى نحو دقيق حقيقة السؤال الذي سنجيب عليه. وأكد مور أن الفلاسفة لو حاولوا اكتشاف المعنى الحقيقي للأسئلة التي يطرحونها - عن طريق تحليلها - قبل أن يشرعوا في الإجابة عليها، لكانت هذه المحاولة الحاسمة كافية في الغالب لضمان النجاح. وإذا تم هذا سوف تختفي معظم المشاكل الخادعة والخلافات الفلسفية، فغموض المعنى هو مصدر الاضطراب في البحث الفلسفي. ويتألف التحليل عند مور من ترجمة العبارة الغامضة المراد تحليلها، إلى عبارة أخرى مرادفة لها وأوضح منها، أي أقل إثارة للحيرة. إن التحليل عند مور يتعلق بشكل أو بآخر بالتعريف، أما رسل فقد رأى أن التحليل هو ترجمة العبارة المصوغة في اللغة العادية إلى صيغ منطقية؛ وذلك لأن الصيغ النحوية مضللة يمكن أن نصب فيها أي شيء بغير معنى، وما هكذا المنطق. إذا هناك اختلاف بينهما، مور يبغي الأوضح باللغة، ورسل يريد الأدق بالمنطق. وثمة أيضا اختلاف في الهدف، فبينما يهدف جهاز رسل المنطقي إلى حل مشاكل فلسفية وميتافيزيقية فإن تحليل اللغة اليومية عند مور يهدف إلى إثبات وجهة نظر الذوق الفطري أو الحس المشترك. على هذا كان تحليل مور منصبا على اللغة، وتحليل رسل منصبا على المنطق، أما تحليل الرائد الثالث فتجنشتين فهو منصب على منطق اللغة، كما رأينا في الجزء السابق من هذا الفصل. هكذا خلق هؤلاء الرواد الثلاثة التيار التحليلي الذي هو أقوى تشغيل واستثمار للمنطق الرياضي في فلسفة القرن العشرين في فلسفة للغة.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٤٥