كان هذا الكتاب علامة فارقة في مستهل طريق فلسفة القرن العشرين توجهها صوب المنطق الرياضي وتعلمها أنه صلب الفلسفة، فلا بد وأن تكون منطقية. وكان رسل بدوره قد اكتشف بفضل المنطق الرياضي - منطق العلاقات - العالم الخارجي التعددي الذي كان محروما منه بفعل الإسار المثالي الذي يرى العالم مجرد تصور للذات. انقلب رسل إلى الواقعية المفرطة الساذجة
naive
التي تقر بالوجود الواقعي لكل شيء حتى الأسماء الكلية والأعداد ... واستقبل القرن العشرين وهو مفعم بالبهجة والثراء. وبهذه الروح حضر المؤتمر الدولي للفلسفة في يوليو 1900م، وألقى بحثا يؤكد فيه هذا التصور الجديد للعالم الواقعي التجريبي التعددي ذي العلاقات الخارجية. إنه عالم مكون من جماع هائل من الجزئيات المادية والنقاط المكانية واللحظات الزمانية ... كل منها وجميعها حقيقي حقيقية المطلق الهيجلي، وبدلا منه.
كان هذا المؤتمر الهام نقطة تحول في حياة رسل، فقد قابل فيه بيانو لأول مرة، وأدرك دقة تفكيره وخطورة أبحاثه في مفهوم العدد والتصورات الرياضية. أثناء المؤتمر طلب منه رسل أعماله الكاملة ودرسها جميعا، ووجد في منطقه الرياضي أداة للتحليل طال البحث عنها. وحين أتى سبتمبر من هذا العام الحاسم كرسه رسل لتطبيق هذه الأداة التي استقاها من بيانو على منطق العلاقات، وخصص أمسيات سبتمبر لمناقشة هذه الفكرة مع وايتهد، يقول رسل: «سبتمبر 1900م أعلى قمة بلغتها في حياتي.»
24
فمن هذه الأمسيات أتت فكرة «برنكبيا ماتيماتيكا 1910-1913م» إلى الوجود، ويؤكد رسل أن تركيز الاهتمام على منطق العلاقات أخطر الدلالات الفلسفية لهذا العمل الجبار.
كان رسل قد عكف منذ أكتوبر 1900م على عمله الأسبق «أصول الرياضيات 1902م»،
25
وهو يحمل محاولات لرد الرياضيات إلى المنطق، محاولات مليئة بأوجه قصور تجاوزها برفقة وايتهد في «برنكبيا ماتيماتيكا». بيد أن «أصول الرياضيات» يحمل أقوى تجسيد لهذه المرحلة الواقعية من فلسفة رسل، يحمل أيضا العلامة الفارقة وهي تآزر المنطق والفلسفة. منذ هذا الكتاب فصاعدا سوف تصبح فلسفة رسل فلسفة منطقية وحججها قائمة على أساس المنطق الرياضي، وسوف يحمل رسل بامتياز وريادة هذه البطاقة النادرة التي طبعها القرن العشرون، بطاقة المنطقي/الفيلسوف الذي يمنطق الفلسفة.
وكما رأينا كان المنطق هو الذي رسم لرسل العالم الواقعي المفرط في واقعيته حتى امتدت إلى فلسفته للرياضيات، فجعل كياناتها واقعية، عبر رسل عن هذا بقصة طريفة تدور حول حلم تراءى لعالم رياضيات، لم تكن الأرقام فيه مجموعات جامدة كما كان يظنها من قبل، بل كائنات تنبض بالحياة، الأعداد الفردية مذكرة والزوجية مؤنثة، كلها تتراقص وتنشد:
نحن الأعداد المتناهية ... خامة هذا الكون
تفعل الفوضى ما شاءت ... ونحن نحيل الأرض بسيطة
ونبجل أستاذنا فيثاغورث ... ونعمنا بتكريم الخالد أفلاطون
نكره الحمقى الأفاقين ... ويعرف كل الناس أنا نبع الحكمة.
وتسير أحداث القصة بحيث يندفع في النهاية جيش الأعداد العرمرم صوب أستاذ الرياضة في ثورة عارمة، ويستبد به الرعب هنيهة، ما لبث بعدها أن تمالك نفسه وصاح بصوت جهوري: ابتعدوا عني فما أنتم سوى رموز ملائمة. ثم استيقظ من نومه،
26
في إشارة إلى انقلابة رسل بعد ذلك على هذه الواقعية المفرطة.
فقد ظل رسل ينعم بهذا التصور الواقعي الزاخر، حتى قال له وايتهد ذات مرة: «إنك ترى العالم كما يتراءى في ظهيرة يوم مشرق بديع، أما أنا فأراه كما يبدو في بكرة الصباح ساعة يصحو المرء من نوم عميق.»
27
وراح وايتهد يوضح له كيف أنه يستعمل المنطق الرياضي في عالمه الغامض كصباح لندن ذي الضباب الكثيف، فهب رسل من سباته على صدر الواقعية الوثير؛ ليجد وايتهد يعلمه منهاجا منطقيا لبناء الجسيمات المادية والنقاط المكانية واللحظات الزمانية بوصفها مجموعات من الأحداث، كل حدث ذي امتداد متناه في المكان وديمومة متناهية في الزمان. وهذا يعني أن الأحداث