تجلت المثالية في أول أعمال رسل «مقال في أسس الهندسة 1897م»، وهو بحث نال به رسل درجة الزمالة من كمبردج، بعد أن ناقشه وايتهد وجيمس وارد عام 1896م وأثنيا عليه. وفيه يطرح رسل السؤال الكانطي الشهير: كيف كان علم الهندسة ممكنا؟ وانتهى إلى أنه لا يكون ممكنا إلا إذا كان المكان واحدا فقط من التصورات الثلاثة المطروحة، مكان إقليدس المستوي أو مكان لوباتشيفسكي المقعر أو مكان ريمان المحدب. ولأن الأخيرين لا يستغنيان البتة عن مقياس ثابت للانحناء، بدت الإقليدية هي الهندسة الوحيدة الممكنة، وما كانت الكانطية تسمح بغير هذا. لم تكن نظرية النسبية لآينشتين التي جعلت هندسة ريمان هندسة تطبيقية قد ظهرت بعد لتطيح بكل هذا، فتصور رسل في حينه أنه أرسى التصور الإقليدي للعالم، وأنه حل كل المشاكل الفلسفية المتعلقة بأسس الهندسة!
وإمعانا في الانسياق مع المثالية الألمانية، انتقل رسل من هذا الأساس الكانطي إلى هيجلية ديالكتيكية «أي جدلية تنتقل من القضية إلى النقيض إلى المركب الشامل لكليهما». راح إبان العامين التاليين (1896-1898م) في انشغال عميق بتفسير ديالكتيكي «جدلي» لأسس العلوم الرياضية والفيزيائية على السواء، وخرج مقاله «في العلاقات بين العدد والكمية» ليعلن أنها علاقة انقلابات جدلية، وشرع في معالجة مماثلة لأسس الفيزياء، وانشغل بالمقابلة بين الحركة المطلقة والحركة النسبية، وبأن المادة في حقيقتها تجريد غير واقعي، وليس ثمة علم بالمادة - كالفيزياء - يمكن أن يستوفي الشروط المنطقية، وعلى هذا انتهى إلى تفسير جدلي أو منطق ديالكتيكي لأسس الفيزياء، ينتقل بين الطرفين المقابلين وهما المقولات العقلية والإحساسات، ويرتبط بالمظهر البادي أكثر من ارتباطه بالمنطق الصوري؛ ليكون منهجا لتحويل المظهر إلى حقيقة، بدلا من أن نبني الحقيقة أو الواقع أولا، ثم تواجهنا بعد ذلك ثنائية لا مخرج منها.
22
وكان رسل يأمل في كتابة سلسلة كتب في فلسفة العلم، تتجه تدريجيا نحو ما هو أكثر عينية، فينتقل من الرياضيات والفيزياء إلى البيولوجي، وتوازيها سلسلة أخرى من الكتب بشأن المسائل الاجتماعية والسياسية، تتجه تدريجيا نحو ما هو أكثر تجريدا، عساه أن يحرز في النهاية، بعملية تركيب جدلية هيجلية، عملا موسوعيا يغطي النظرية والتطبيق على السواء.
23
لكنه لم يفعل، فقد انقلب فجأة على هذه المثالية، واعتبر كل ما قاله فيها - خصوصا بشأن أصول الهندسة - لغوا، انقلب إلى النقيض تماما، إلى فلسفة واقعية، انسياقا مع المد التجريبي في مطالع القرن العشرين أو بالأحرى إحداثا له. وكانت هذه الانقلابة في ذلك الأوان هي التي شهدت نشأة الفلسفة التحليلية، ولكننا سنوضح الآن كيف جعلت المنطق الرياضي عصب الفلسفة وجعلت التجريبية منطقية.
بدأت رحلة الخروج من المثالية الكانطية الهيجلية عام 1898م بفعل عدة عوامل، منها أن رسل قرأ كتاب هيجل «المنطق الأكبر» فوجد ما يقوله هيجل عن الرياضة لغوا ناتجا عن رأس مشوشة أو موحلة
muddle
بتعبير رسل! والواقعة العارضة شديدة الأهمية هي أن ماكتاجارت سافر فجأة لزيارة أهله في نيوزيلندة، وعهدت كمبردج إلى رسل بتدريس ليبنتز بدلا من ماكتاجارت، فوجد نفسه منكبا على أعمال ليبنتز. وها هنا اكتشف أن أساس الميتافيزيقا المثالية الواحدية هو المنطق الأرسطي الحملي، منطق الجوهر وأعراضه الذي يعجز عن التعبير عن العلاقات الخارجية، أية علاقة تتحول إلى محمول يحمل على الموضوع فتغدو كيفية مباطنة للموضوع محايثة فيه. من هنا كانت العلاقات داخلية والجوهر واحدا حاويا للكل. هكذا كان المنطق الأرسطي وراء الخديعة المثالية بتصور العالم ككل واحدي وإنكار المادة والتعددية والعلاقات الخارجية. أدرك رسل ضرورة الإطاحة به تماما والأخذ بالمنطق الرياضي النامي حديثا، وهو الذي علم رسل أهمية العلاقات في الرياضة وفي الفلسفة على السواء، وأن إهمالها أدى إلى نتائج وبيلة في كليهما، شن رسل حملته المضرية على المنطق الأرسطي وميتافيزيقاه في سلسلة محاضراته آنذاك والتي حملها كتابه «عرض نقدي لفلسفة ليبنتز 1900م».