تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

events

هي خامة العالم، أما الجسيمات والنقاط واللحظات التي ترتد جميعها إلى الأحداث، فينبغي استئصالها وحذفها بواسطة «نصل أوكام».

هكذا تعلم رسل من وايتهد استخدام «نصل أوكام» وهو قاعدة منهجية تعني التقليل من الفروض والكيانات التي لا تدعو الحاجة إليها وحذفها تحقيقا لمبدأ الاقتصاد في التفكير. فإذا كان لدينا الكيانات «أ وب وج» وأمكن رد «ج» إلى «أ وب»، حذفنا «ج» لنعمل بكيانين بدلا من ثلاثة. وفيما بعد سيجعل رسل «نصل أوكام» القاعدة العليا للتفلسف العلمي؛ لأنه القادر على جعل التصورات الفلسفية أصفى وأنقى. وحين حذف النصل الجسيمات والنقاط واللحظات، وأبقى فقط على الأحداث أمكن التوفيق في كل منسجم بين الإدراك الحسي وبين فيزياء القرن العشرين التي ابتعدت تماما عن التصورات العادية للحس المشترك. أوضح نصل أوكام قدرة المنطق الرياضي على تصفية الأنطولوجيا وتطويرها، واكتشف رسل - بفضل وايتهد - القوى الفلسفية الجبارة للمنطق الرياضي، وأن الأمر لا يقتصر على منطق العلاقات، فثمة نصل أوكام وتطبيقه بمنهج البناء المنطقي وهو التخلص من كيانات مستدل عليها، أي غير واضحة، فنحل محلها بناء منطقيا من كيانات تجريبية نكون على معرفة مباشرة بها من قبيل المعطيات الحسية، وثمة أيضا اللغة الرمزية المثالية للتعبير عن هذا تعبيرا منطقيا؛ كل تلك الأدوات المنطقية تمثل عتاد الفلسفة التحليلية، وعن طريقها تصبح التجريبية منطقية.

أخذ رسل عن وايتهد أن العالم مكون من أحداث

events ، وبتطبيق تلك الأدوات المنطقية عليها أصبحت الأحداث محايدة لا هي عقل ولا مادة، بل شيء مختلف عن كليهما وأسبق منهما. إنها نظرة واحدية محايدة تقضي على الثنائية الديكارتية ثنائية العقل والمادة، وتختلف عن الواحدية المثالية التي تقر بجوهرية العقل فقط، وبنفس القدر تختلف عن الواحدية المادية التي تقر بجوهرية المادة فقط، والتي اقترنت بالفيزياء الكلاسيكية.

في واحدية رسل المحايدة قد تبدو الظواهر العقلية مختلفة عن الظواهر المادية، إلا أن كليهما أبنية منطقية من نفس الخامة وهي الأحداث المحايدة. كلاهما خطوط أو سلاسل من أحداث تنظمها قوانين علية. العلية ليست قوة إجبار وإحداث كما كانت في الفيزياء الكلاسيكية، بل أصبحت مجرد قوانين للتعاقب، وهي بهذا المفهوم الواسع تضم كل القوانين التي تربط الأحداث في مختلف الاتصالات الزمانية المكانية. السلسلة العلية خط من الأحداث نستطيع أن نستدل من أية حادثة فيه على شيء ما يتعلق بحادثة أخرى في نفس السلسلة أو الخط العلي شبه المستقل. الإدراك الحسي بوصفه مصدرا للمعرفة المتعلقة بالعالم الفيزيقي مستحيل بدون السلاسل العلية شبه المستقلة.

28

هناك قوانين علية تنظم سلاسل الأحداث في صور ذهنية

images

فتكون ظواهر عقلية وموضوعا لعلم النفس، وهناك قوانين علية أخرى تنظمها في هيئة إحساسات

sensations

فتكون ظواهر مادية وموضوعا لعلم الفيزياء.

29

اقترنت الأحداث المحايدة باسم رسل؛ لأنه هو الذي صاغها صياغة منطقية دقيقة بفضل أدواته المشار إليها آنفا، وهي نصل أوكام والأبنية المنطقية واللغة المثالية الرمزية. لكنها كانت شائعة من قبل بين فلاسفة الواقعية الجديدة في أمريكا وعلى رأسهم وليم جيمس، وأيضا تشونسي رايت

C. Wright (183-1875م) ورالف بارتون بيري

R. B. Perry (1876-1957م) فضلا عن نفر من فلاسفة القارة الأوروبية أهمهم إرنست ماخ. رسل نفسه يطلق على الواحدية المحايدة اسم «فرضية ماخ وجيمس». قام ماخ في كتابه «تحليل الإحساس 1886م» بتحليل الأشياء الفيزيقية إلى عناصر أسماها الإحساسات ما دمنا نكتشفها من الخبرة الحسية، وليست الإحساسات علامات على الأشياء، بل الشيء هو الذي يعد رمزا فكريا لإحساسات ذات ثبات نسبي. والإحساسات ليست ذهنية ولا هي فيزيقية، إنها محايدة وتشكل النسيج الذي يتألف منه العالم. وهذا الذي بلغه ماخ من خلال الفيزياء بلغة وليم جيمس من خلال علم النفس. فمن أجل تجريبيته الجذرية أراد جيمس الوصول إلى تصور للعالم لا يسمح بدخول أي عنصر غير تجريبي لا يقع في الخبرة، وبهذا تغدو الخبرة الخالصة هي الخامة الواحدة والوحيدة التي يتركب منها كل شيء في العالم، عقلي أو مادي، وهي مختلفة عن كليهما.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٤٢