يقول هنريك فون رايت إن المناطقة والرياضيين على السواء قابلوا إنجاز فتجنشتين ببرود. لعل كارل بوبر يفوق زملاءه المناطقة في هذا، فقد أسرف في رفض دعاوى «الرسالة المنطقية الفلسفية»، أما «بحوث فلسفية» فيصفه بوبر بأنه غث وتافه ومضجر! وأنه لا يجد فيه ما يستحق الاتفاق أو الاختلاف! ولا نندهش فديدن الفلسفة دائما هو الرأي والرأي الآخر، ومهما كان هذا الرأي أو ذاك فالذي لا شك فيه أن «الرسالة المنطقية الفلسفية» بالذات ظلت باقية وأعيد إحياؤها المرة تلو المرة، في الفلسفة المنطقية وفي تطورات النظرية اللغوية، ومن ناحية أخرى في فلسفة العقل التي تستلهم الكومبيوتر كما تتمثل في العلوم المعرفية ودراسة الذكاء الاصطناعي، وكان تأثيرها الأقوى في فلسفة العلم. ويظل فتجنشتين بمنطقه الصارم صاحب أخطر رسالة لغوية تلقتها الفلسفة.
كانت المحصلة القوية لفلسفة فتجنشتين في التيار التحليلي العريض، وأقوى مدارسه الوضعية المنطقية. هذا التيار كثيرا ما ينعت بأنه أهم تيارات الفلسفة في القرن العشرين، وإليه تعود الصبغة المنطقية القوية فيها. يلزم التوقف إزاء الفلسفة التحليلية وفيلسوفها برتراند رسل، ثم الوضعية المنطقية التي انسلت عنها لتمثلها في فلسفة العلم، بكل القوة والمضاء. وقبل أن ننتقل إلى هذا وذاك، نختم حديثنا في هذا الجزء من الفصل بنظرة شاملة على مآل ومسير المنطق حتى نهاية القرن العشرين.
أهم تطور حدث في المنطق بعد الحرب العالمية الأولى أتى من المدرسة المنطقية البولندية التي أسسها في وارسو، في فترة ما بين الحربين العالميتين أحد تلاميذ برنتانو وهو تفاردوفسكي
K. Twardowiski (1866-1938م) لتعكف على المنطق الحديث وأبعاده في الفلسفة وأصول الرياضيات، استمرت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية لتتفكك بوفاة وهجرة أعضائها، بعد أن تنجز خطى تقدمية محورية، لعل أهمها ظهور المنطق المتعدد القيم
many-valued logic
لا يعرف المنطق الأرسطي التقليدي إلا قيمتي الصدق والكذب، القضية إما صادقة وإما كاذبة والقيمة الثالثة ممتنعة. أما المنطق الرياضي الحديث فلا بد وأن يعمل بقيم متعددة، فهو تحليلي يرد القضية إلى مكوناتها، كل مكون صادق أو كاذب، أما القضية في حد ذاتها فقد لا يمكن الحكم عليها بهذا أو ذاك. إذن ظهرت قيمة ثالثة، فضلا عن القيم المتعددة لحساب الاحتمالات بين قيمتي الصدق والكذب. لا ينفصل هذا عن بعث وإحياء منطق الجهة
Modal Logic ؛ أي الحكم على القضية من جهة الضرورة أو الإمكان أو الامتناع. وهذا مبحث عني به أرسطو والمناطقة العرب - خصوصا الفارابي وابن رشد - ثم أهمله جورج بول وفريجة. فلم يكن منطق الجهة محط اهتمام في مرحلة نشأة المنطق الرياضي. وفي العشرينيات بعثته البحوث السيمانطيقية مجددا وأعادت إحياءه. وكان هذا أساسا في إطار نقد منطق برتراند رسل. إن أعمال رسل ذات مردودات وحصائل لا أول لها ولا آخر، إنه عملاق في الفلسفة وفي الرياضيات على السواء. وقد رأينا كيف مثل المنطق الحديث معاملا مشتركا بينها.
منذ أرسطو وحتى يومنا هذا، المنطق جزء لا يتجزأ من دراسة الفلسفة، وهو الجزء الأهم، سار المنطق التقليدي في سياق مختلف عن الرياضيات، أما المنطق الحديث فيحتل مكانته في أقسام الفلسفة وأقسام الرياضيات على السواء بمختلف الجامعات في شتى أنحاء العالم. ولم يكن انضمامه للأسرة الرياضية سهلا، هذا ألفرد تارسكي
A. Tarski (1901-1983م) صاحب الإنجازات الحاسمة في مبحث ما بعد المنطق خصوصا السيمانطيقا وما بعد اللغة وما بعد الرياضيات والمنطق المتعدد القيم، ووصل إلى تعريف حاسم لمفهوم الصدق، وهو على الإجمال من أبرز رجال المدرسة البولندية، هاجر بعد تفككها إلى الولايات المتحدة. ويحدثنا تارسكي عن الصعوبات التي واجهته لكي يجعل المنطق تخصصا موقرا في أقسام الرياضيات بجامعة باركلي. على العموم، احتل المنطق الآن موقعه بين علوم الرياضيات في مختلف الجامعات.