تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

لقد باتت العبارات اللغوية مقطوعة الصلة بالخبرة التجريبية، ولا تعتمد على أية إحساسات يتلقاها شخص ما أو حتى كل الأشخاص. ليس هناك لغة خاصة تعبر عن الخبرة الخاصة؛ لأن مثل هذه اللغة تشير إلى إحساسات فورية خاصة بالمتكلم لا يعرفها سواه، فيستحيل أن يفهمها شخص آخر. «أنا أتألم» ليست لغة بالمعنى الصحيح، هذا التعبير اللغوي عن الألم يحل محل الصراخ والتأوه، وليس توصيفا للألم،

11

أو معرفة به. الخبرة الحسية ليست معرفة أصلا. الوحدة الأولية للمعرفة هي القضية التي تقبل الخطأ أو الصواب والكذب أو الصدق. لا يمكن أن يخطئ المرء وهو يقول: «أنا حزين»، أو «أرى مقعدين في الغرفة»، فلا يمكن أن تكون المدركات الحسية موضوعا للمعرفة ولا أساسا للغة. أساس اللغة هو فقط قواعدها. هب أنك اعتدت أن تقرن إحساسا معينا بالعلامة «س»، فإن أي تركيز على خبرتك الحسية ذاتها لا يكسب العلامة «س» معنى، إنها تكتسب كل المعنى فقط من القواعد التي نصطلح عليها لاستعمال «س» في اللغة المتداولة بيننا. هكذا كل العلامات اللغوية - كالألفاظ - لا يتوقف معناها على الخبرة الحسية، بل على قواعد اللغة، السيمانطيقية والسينتاطيقية، أي القواعد التي تحكم الدلالات والتراكيب اللغوية.

وبعد أن كانت وظيفة اللغة في «الرسالة» هي تصوير العالم، أصبحت وظيفتها التواصل مع الآخرين. واللغة بهذا المنظور نشاط جمعي مثل المباريات الرياضية، ينبغي أن نتعلم قواعدها تماما كما نتعلم قواعد المباراة الرياضية. يستعمل فتجنشتين مصطلح «مباراة

game » ليعني أن اللغة لها الخصائص الآتية: (1)

الطابع التنافسي. (2)

محكومة بقواعد. (3)

تتطلب مهارات تتفاوت. (4)

ليس لها هدف نهائي، مجال الأهداف مفتوح. (5)

يمكن اعتبار اللغة مجموعة أنشطة مستقلة تماما كما أن المباريات الرياضية أنشطة مستقلة. وهذا لا يعني البتة أن اللغة نشاط تافه أو مجرد تسلية، بل هي الفاعلية الاجتماعية الأم.

ومع هذا الانتقال من وقائع العالم التجريبي في «الرسالة» إلى قواعد اللغة في «بحوث فلسفية» ما زال فتجنشتين مخلصا لهدفه الأولي، وهو أن تكون مهمة الفلسفة التوضيح لنحذف اللغو وينفرد العلم بمجال المعرفة. إننا نتعلم قواعد الدلالة أو السيمانطيقا والتركيب اللغوي أو السينتاطيقا كما نتعلم قواعد مباراة، وعن طريق هذه القواعد يتم تمييز المعرفة العلمية واستبعاد الميتافيزيقيات التي يتسع لها النحو، بينما هي خالية من المعنى. «حتى إذا تساءلنا لماذا يهتم الفيلسوف بدراسة قواعد مباريات اللغة؟ لكان ذلك فقط من أجل التوضيح والتمييز بين اللغو وبين الكلام ذي المغزى»؛

12

أي المنطق والرياضة والعلوم الطبيعية وسائر العبارات التجريبية. جميعها يسير التعبير فيها تبعا لإرشادات تخطيطية مجردة، وتبني لنفسها سياقها الخاص الذي يسير بواسطة فروض مطروحة بوضوح في إطار للعمل أو البحث. ويمكن الحكم على انتماء العبارات لهذه المجالات وفقا لاقتفاء العبارات قواعد السير فيها، أي قواعد التعبير اللغوي. وإذا أخذنا عبارة علمية أو منطقية كنموذج للوضوح وكمورد نهائي للصدق الأصيل، سوف نستطيع تحديد القواعد اللغوية للتمييز، وسوف يتجه تصورنا للوضوح نحو نوع من الصفاء الفطري الخالص.

13

لقد رأينا بادئ ذي بدء أن نشأة النزعة الاستقرائية، وفلسفة العلم إجمالا كانت بهدف تمييز المعرفة العلمية، ويأتي فتجنشتين متسلحا بالمنطق الرياضي؛ ليجعل التعبيرات التجريبية هي كل الكلام ذي المغزى وما عداه لغوا، ويحقق هدف التمييز عن طريق قواعد التعبيرات اللغوية، فلا غرو أن يصر إصرارا على قصر الفلسفة على منطق اللغة، متخذا موقفا غاية في القسوة والعنف من بقية امتدادات الفلسفة وفروعها - خصوصا الميتافيزيقا - يهدف إلى استئصالها جميعا بضربة واحدة!

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٣٥